مسلسل غريبه في عالمك الحلقة الأولى والثانية

مقدمة
مريم حمدي و يوسف جلال هما قضبي المغناطيس المتنافران في كل شيء سواء من ناحية الأصل او المجتمع أو السن أو حتى طريقة التفكير تجبرهما الظروف على العيش معا تحت سقف واحد من زواج دبره جد مريم .
فكرت مريم بأن الظروف دائما ما تكون ضدها فتارة تجبرها على الانتقال للعيش في مجتمع غريب تماما عنها وعن ذلك الذي وُلدت وعاشت فيه حتى مرحلة المراهقة ومن ناحية أخرى يجبرها جدها على الزواج من ذلك الشخص المشهور بقساوته ومغامراته النسائية المتعددة.
فما الحل اذن؟
هل تهرب من هذا الزواج المحكوم عليه بالفشل الى مصير آخر مجهول أم أنها ستقبل بلأمر الواقع وتعيش مع هذا الشخص وهي الغريبة عن عالمه؟


الحلقة الأولى
*زواج مدبر*
:تمام كدة. فيه حاجة تانية؟
قال عبدالرءوف رجل الأعمال الشهير جملته وهو يوقع باسمه على أحد الأوراق أمامه على الطاولة التي كان يتصدرها.
فنظر له هذا الشاب الذي يجلس على يساره بنظرة اهتمام قلقة وهو يأخذ منه الملف و يقول له :لا. كفاية كدة النهاردة . انا شايف انك تعبت . ما كنش لازم أصلا انك تنزل الشغل دلوقت خصوصا ان الدكتور قال انك محتاج لراحة تامة.
فأجابه عبد الرءوف هذا الكهل الذي قد بلغ من العمر ما يناهز الستين عاما وقد بدا عليه الارهاق: لو كنت هسمع كلام الدكاترة هفضل الفترة اللي باقية من عمري راقد ع السرير مش بتحرك ودة اللي مش هقدر استحمله.
فسأله الشاب وهو يحيط بأصابعه القويه كف عبد الرءوف المستند على الطاولة: فكرت في موضوع العملية ولا لسة؟
فتنهد عبدالرءوف في غير ارتياح وكأنه لا يستسيغ الخوض في هذا الحديث ثم قال بصوت ساخر: العملية اللي اصلا مش مضمونة؟ وكمان لو نجحت هتزود في عمري كام يوم؟ يا يوسف يابني انا خلاص بقول ياللا حسن الختام.
تحجرت نظرات يوسف وهو ينظر اليه بلوم شديد وكأنه يستنكر فكرة فقدانه لهذا الرجل الذي طالما اعتبره بديلا عن والده المتوفي وهو لم يتعد التاسعة من عمره بعد . ولذا فمنذ معرفته بعبد الرءوف الكامل التي استمرت لعشر سنوات حتى الآن تعدت علاقته به من الشراكة الى الصداقة بل انه في بعض الاوقات كان يشعر أن هذا الرجل بمثابة الأب الثاني له لذا قال له بلهجة قاسية بها بعض التهديد:اسمع. الكلام دة اياك اسمعه منك تاني. والعملية هتتعمل برضاك أو غصب عنك حتى لو اضطريت اني اجرجرك لاوضة العمليات بنفسي مادام فيه امل.
علم عبد الرءوف من نظرة شريكه الشاب أنه ينوي ذلك فعلا ان اضطر اليه لذا قال له ممازحا: ايه يا يوسف؟ قلبت كدة جد مرة واحدة يعني ؟ ما تخافش ياسيدي هعمل العملية بس لما اطمن الاول على مستقبل مريم!
نظرة يوسف الحائرة جعلته يستمر في التوضيح: مريم حفيدتي. انت عارف بعد وفاة والدها انا بقيت المسئول عنها وخصوصا بعد ما رجعت مصر. فانا لو عملت العملية دلوقت مش هتلاقي حد يقف معاها بعدي وهية مش هتقدر تعيش لوحدها في مجتمع كل اللي تعرفه عنه انها اخدت جنسيته.
فقال يوسف بنبرة حاقدة: أبوها كان لازم يعمل حساب لكل دة. ازاي عمره ما فكر ان هييجي اليوم اللي ممكن يسيبها فيه لوحدها في بلد غريبة بعيدة عن أهله وأهلها اللي هما أحق الناس بتربيتها ورعايتها؟
فسأله عبد الرءوف بنظرة مترقبة : انت لسة مش قادر تسامحه يا يوسف؟
وعندما لم يتلق جوابا قال له برجاء: سامحه يا يوسف ع الاقل اكراما ليا
لم يتمالك يوسف نفسه الى ان ابتسم لصديقه ابتسامة دافئة وهو يقول: تفتكر اني هقدر اكره انسان ميت؟!
وقد هدأت ملامح عبد الرءوف قليلا وهو يربت على كتف يوسف ويقول: ربنا يباركلك يابني هوة دة عشمي فيك بردو . انا كدة ارتاح بالي من الموضوع دة عقبال بقا ما ارتاح من ناحية مريم . انا متأكد ان لو سبتها لوحدها كدة اكيد التانيين هياكلوا حقها وهية مش هتقدر تعمل حاجة.
يوسف: طب وعمتها؟!
فقال عبد الرءوف ساخرا: وردة؟! لا دي ماشية على حسب هوى جوزها. ومش محتاج طبعا اقولك هوة بيخطط لايه.
فصمت يوسف قليلا وبدا على وجهه التفكير العميق ثم قال: طب ما تجوزها ماهر ابن عمتها وبكدة مش هيقدروا يعملوا حاجة لانها بقت مراة ابنهم بالعكس دول هما اللي هيدافعوا عنها وعن حقها.
استمر عبد الرءوف في نبرته الساخرة: كدة بقا يبقا زي مابيقولوا سلموا القط مفتاح القرار. مين قالك انهم هيحافظوا عليها اذا كان هما اصلا مش راضيين يعترفوا بيها. انا لو عملت اللي انت بتقوله دة يبقا سهلتلهم الطريق عشان يوصولوا للي هما عاوزينه مش اكتر
واستمر يوسف في عرض اقتراحاته مشاركة لصديقه في مشكلته: خلاص جوزها لحد بتثق فيه وفي نفس الوقت تكون شايف انه يقدر يقف في وش جوز بنتك كمال
فشرد عبدالرءوف للحظات ثم لمعت الفكرة فجأة بعقله وقال ليوسف بابتسامة هادئة ونظرة ذات مغزى معين: معاك حق يا يوسف. هوة دة فعلاالحل الوحيد. طب انت ايه رأيك بقا؟
فسأله يوسف بحذر: في ايه؟
عبدالرءوف: في انك تناسبني.
: أناسبك؟!
بدا وكأن يوسف لم يفهم المغزى من كلام شريكه في أول الأمر إلى أن بدأ يستوعب الورطة التي زج نفسه بها فاتسعت عيناه وازداد اللون الأسود بهما وكأنه الفحم وهو يقول وتلك الابتسامة التي علت وجهه لم تكن سوى للاستنكار: انت بتهزر. اكيد ما تقصدش اللي انا فهمته
لم تتأثر ابتسامة عبدالرءوف الهادءة وهو يجيب: مفتكرش انك عندك اعتراض على نسبي.
فضاقت عينا يوسف قليلا وهو يقول بنبرة شديدة الهدوء لدرجة تنذر بالخطر: انت عارف ان دة مش قصدي. بس ليه؟!
بعد تنهيدة طويلة نمت عن مدى ارهاق عبدالرءوف سواء الجسماني او العقلي أجاب: انت الوحيد اللي هكون مطمن على مريم وهية معاه. وانت الوحيد اللي تقدر تقف في وش كمال و ماهر ابنه
ثم ضغط على يد يوسف برفق وهو يقول له بشبه توسل: وافق يا يوسف خليني ارتاح. اعتبرها خدمة لصديقك العجوز قبل وفاته.
سحب يوسف يده بهدوء ثم نهض وقفا وهو يحاول ترتيب افكاره بحيث لا يجرح هذا الكهل: طب ازاي؟ وانا لا اعرفها ولا هية تعرفني؟ دة غير ان على حسب علمي هية لسة ما كملتش العشرين وزي مانت عارف انا قربت ع الخمسة وتلاتين. يعني بالنسبالها هبقا عجوز اوي.
ازدادت ابتسامة عبد الرءوف وهو يراقب حركات صديقه المتوترة وهو لم يعتد ان يراه في هذه الحالة مما جعل من الصعب عليه الا يستخدم اسلوب الدعابة وهو يقول: ايه يا يوسف؟ انت هتخليني اكدب كلام الصحافة عنك اللي مسمياك المليونير الدونجوان ولا ايه؟ خلاص كبرت وعجزت؟
و بما ان يوسف لم يكن في حالة تسمح له بمجاراة صديقه لذا فلم يكن الا ان حدجه بنظرة غاضبة جعلته يتراجع سريعا وهو يلوح بيديه كوسيلة للدفاع جعلته يبدو اصغر كثيرا مما هو عليه في الواقع:خلاص خلاص صدقنا انك دونجوان عصرك وزمانك. بس لسة ما قلتش لحد دلوقت رايك ايه؟
بدا على يوسف وكانه يتخبط في مجموعة من المشاعر المتناقضة الى ان حسم امره اخيرا وأخذ يفكر بصوت عال كما تعود دائما مع صديقه الكهل: ازاي بس اتجوز واحدة عاشت كل حياتها في مجتمع غريب بعادات وتقاليد مختلفة . بنت راجل خالف اوامر ابوه وراح عاش في بلد تانية واتجوز واحدة اوروبية لا يعرف اصلها ولا فصلها؟ ازاي اسلم اسمي وسمعتي لواحدة امها اتخلت عنها في لحظة عشان تعيش مع واحد صاحبها .انا اتاكد منين ان بنتها مش طالعالها؟
لم يستطع عبد الرءوف ان يلوم يوسف على تفكيره فمن ناحية انه يلتمس له العذر فكرجل شرقي يجب ان يتاكد من سلوك واخلاق البنت الذي يعتزم الزواج بها ومن ناحية اخرى فكل مايتعلق بماضي ابنه الذي رفض الزواج من شمس عمة يوسف مخالفا قرار والده لينشب الخلاف مجددا بين عائلة سليم والتي ينتسب يوسف اليها وعائلة عبد الرءوف الكامل ولم ينته هذا الخلاف الا حين اعتزم جلال والد يوسف عقد الشراكة بينه وبين عبدالرءوف لتعود المياه مرة اخرة لمجاريها بعد ان علم بان هذا الاخير قد قاطع ابنه من اجلهم أما بالنسبة لأمها تلك الفتاة الاوروبية التي تزوجها ابنهم فلم تكن بالامر الذي يعزز موقفه حيث طلقها بعد ثلاث سنوات من الزواج وتولى هو امر تربية طفلتهما لتعيش هي وحدها مع رجل اخر اسمته صديقها حتى بعد وفاته لم تتحمل ابنتهما كثيرا فاضطرت تلك الشابة الصغيرة القيام بمخاطرة صغيرة حيث ارسلت تطلب مساعدة جدها الذي ارسل اليها على الفور ليخبرها بانه يرحب بها في بيته في اي وقت وكانت هي طوال تلك الشهور الثلاث التي قضتها معه سلواه الوحيدة و عزائه عن فقد ابنه المفاجيء . خرجت تنهيدة قوية من عبدالرءوف اثر كل تلك الذكريات الاليمة وقرر ان يستمر في محاولاته لاقناع يوسف الذي يراه هو الشخص الوحيد الذي بامكانه الاعتناء بحفيدته والحفاظ عليها وعلى اموالها لذا فقد قرر ان يرمي بورقته الاخيرة في وجهه لعله يستطيع ان يغير رايه ولو قليلا: ماشي يا يوسف. بس ممكن اطلب منك انك تاجل قرارك في الموضوع دة لحد ما تقابل مريم الاول وتتعرف عليها؟ ارجوك.
حملت كلمة الرجاء الاخيرة في طياتها كل كلمات الرجاء والتوسل التي لم يستطع عبدالرءوف التفوه بها. والتي لم تعط يوسف اي مجال للرفض ولكنه قرر الا يعترف بالهزيمة حيث ومضت عيناه فجاة وكانه تذكر امرا قد غاب عن عقله طوال هذا النقاش: انت لحد دلوقت مش متاكد من موافقتها . على حسب علمي بنت زيها اتعودت على الاستقلالية صعب اوي توافق على جواز مدبر وما تنساش ان والدها سبق ورفض الموضوع دة قبل كدة.
بدا على عبدالرءوف الارتياح قليلا حيث انه قد لمس بعض اللين في موقف يوسف فقال: مريم مختلفة كتير عن حمدي ابني الله يرحمه وكمان ما تنساش ان ابوها هرب مني اما هية فهربت عشان تجيلي وفيه فرق كبير بين الاتنين. قولت ايه بقا؟
بدا نفاذ الصبر واضحا في نبرة يوسف الذي قد ضاق عليه الخناق من الحاح صديقه العجوز:في ايه بس؟
بدا صوت عبدالرءوف حازما فجأة لدرجة ادهشت يوسف نفسه: هتيجي تشرب القهوة في فيلتي النهاردة الساعة سبعة.
يوسف محتجا: انت كدة مش بتديني اي فرصة للتفكير.
وبدا عبدالرءوف يستخد سلطته كأب ثان كما يعتبره يوسف حيث لايمكنه معارضته و خرج صوته قويا: يوسف هنستناك. ما تتأخرش.

 


الحلقة الثانية
*لامفر*
:مستحيل! انا مش موافقة.
خرجت كلمات الاحتجاج كالرعد من فم مريم فور ان اخبرها جدها بقراره لتزويجها من شريكه يوسف ,ومع ذلك بدا صوته هادئا وهو يسألها: وايه السبب؟
تفاجأت مريم من سؤاله أو بالاصح لم تتوقع منه ان يسال مثل هذا السؤال وهو بالتاكيد يعلم جوابه ومع ذلك قررت أن تجيب عليه ولم يكن قد هدأ انفعالها بعد: ازاي يا جدي عاوزني اوافق اني اتجوز واحد معرفوش وكمان عمره اد عمري مرتين؟ ليه ياجدي عاوز تعمل فيا كدة؟
لم يرد عبدالرءوف على الفور بل تأمل في ملامحها قليلا فهي ماكانت تشبه والدها باي شكل من الاشكال فملامحها بدت اوروبية بشكل أكثر من واضح بوجهها الدائري الصغير وبشرتها البيضاء الشاحبة وعينيها الواسعتين بلون العشب الأخضر وشعرها الأحمر الناري مما كان سيجعله يشك في حقيقة نسبها اليه الا ان قلبه كان على يقين بأن الدماء التي تجري في عروق تلك الشابة الفاتنة هي نفسها الدماء التي تجري في عروقه علاوة على تلك الصور التي كان يرسلها لها ابنه بصورة مستمرة في ذكرى ميلادها كل عام وهو يقف بجانبها, كما أنها قد ورثت عن والدها طبعه وعناده قطع عبدالرءوف الصمت ليقول بلهجة قوية تحمل الكثير من التهديد: مريم! انتي لما بعتيلي عشان تيجي تقعدي معايا في مصر كنتي واثقة ان انا اكتر واحد هكون خايف عليكي وعلى مستقبلك عشان كدة لازم تثقي في قراراتي كويس أوي. يعني لما اقولك ان يوسف هوة انسب واحد ليكي وهو الوحيد اللي هيقدر ياخد باله منك ومن مصالحك يبقا انا صح ولازم كلامي يتنفذ.
تسلل الاحباط بداخل مريم وقد بدات تيأس من ان جدها سيهتم كثيرا باعتراضاتها: طيب يا جدو انا لسة صغيرة وكمان لسة قدامي اربع سنين كلية . غير اصلا ان الحياة هنا لسة غريبة عليا شويه. فما بالك بقا بالجواز من شخص غريب معرفوش وكمان من مجتمع غريب نسبيا بالنسبالي؟
:كل دة هيتحل . المهم دلوقت انه على وصول عشان يقابلك وتتعرفوا على بعض
ثم اشار باصبعه باتجاهها محذرا:مريم ! اياكي تصغريني أدامه
مريم باستسلام: حاضر ياجدو
وهم عبدالرءوف بالذهاب وقد بدا عليه الارهاق من حدة النقاش: لما اسيبك انا بقا عشان تغيري هدومك. ذهب عبد الرءوف تاركا مريم وهي تتخبط بين أفكارها فمن ناحية لا تريد ان تعصي جدها وخاصة وهي تعلم مدى خطورة حالته الصحية فهو الان بالنسبة لها قريبها الوحيد الذي يمكنها الاعتماد عليه, ومن ناحية اخرى لا تريد الزواج الان وخاصة من ذلك الشخص فهو اكبر منها بكثير كما انها لاتعلم عنه الا انه شريك جدها. وفجأة خطرت لها فكرة .فماذا ان لم يكن هذا الشخص هو ايضا لا يوافق على تلك الزيجة. ولكنها استبعدت ذلك الاحتمال فجأة لانه ان كان كذلك فلا يوجد ما يجبره عليها فهو رجل اعمال مرموق في سن تسمح له باتخاذ قراراته بنفسه بعقلانية. ولكن ظل الامل بداخلها من انها يمكنها ان تقنع هذا الرجل بالتخلي عن فكرة الزواج بها وبذلك سيأتي الرفض من ناحيته دون ان تغضب جدها. وقد عزمت الامر على ذلك.
******************************
في حجرة الصالون بفيلا عبدالرءوف الذي كان يجلس على أريكة مريحة وبجانبه العكاز الذي بدأ يستخدمه مؤخرا . وعلى الكرسي الذي بجواره جلس يوسف بكل ثقة وكأنه ببيته تماما . بالطبع فانها ليست بالمرة الاولى الذي يأتي فيها لزيارة عبد الرءوف في فيلته. كانا يتحدثان بشكل ودي وفي مواضيع بعيدة تماما عن العمل جعلت يوسف يبتسم بشكل ساحر يزيد من جاذبيته ورجولته الطاغية في الوقت الذي طرقت فيه مريم الباب المفتوح فقال لها عبدالرءوف :ادخلي يا مريم
دخلت مريم وقد انتابها التوتر الشديد ولكن كانت خطواتها ثابتة تقدمت منهما قليلا وقد تولى عبدالرءوف مسئولية التعرف مبتدءا بيوسف: يوسف جلال شريكي وصاحب شركة المعمار للمقاولات. اما دي بقا ياسيدي حفيدتي مريم طالبة في اولى كلية اداب انجلش
خلال هذا التعريف كان يوسف قد نهض لتحية مضيفته وقد بدت الصدمة واضحة على ملامحه فهو قد تخيل رؤية فتاة اوربي مدللة ترتدي ملابس عصرية تناسب الاذواق الانجليزية, ولكنه على النقيض وجد امامه فتاة رغم ملامحها الاوربية التي لايستطيع احد تجاهلها الا أنه وجدها فتاة متوسطة الطول و كانت محجبة وترتدي ثيابا محتشمة زادتها جمالا ووقارا مما يجعل الناظر اليها يعتقد بأنها تعدت الواحد وعشرين من عمرها. استطاع يوسف أن يخفي دهشته سريعا ولكن بعد ان لاحظتها مريم ومد لها يده ليصافحها وهو يقول بملامح هادئة: تشرفنا يا آنسة مريم
تجاهلت مريم اليد الممدودة وقالت بعفوية: الشرف ليا. بس انا اسفة ما بسلمش
رد يوسف سريعا وكأن شيئا لم يكن: عادي ولا يهمك
جلست مريم على كرسي في مقابلة يوسف وهي تقول لنفسها بغيظ: طبعا لازم حضرتك تتفاجىء. اكيد كنت فاكر انك هتشوف واحدة صايعة لابسة مكشوف وبتستعرض قدامك. ربنا يستر
ساد صمت قليلا قرر يوسف ان يقطعه وهو يتفحص مريم من أعلى رأسها الى أخمص قدميها: غريبة اوي يا انسة مريم انك بتتكلمي عربي كويس وكمان باللهجة المصرية مع ان اللي اعرفه انك عمرك ما جيتي مصر قبل تلات شهور
مريم بجفاء: بابا الله يرحمه كان مصر اني اتكلم معاه بالمصري طول ماحنا في البيت وكمان كان لينا أصدقاء مصريين كتير اتعودنا اننا نتكلم مع بعض بلهجتنا
:وياترى هوة بردو اللي اصر انك تتحجبي؟
قررت مريم ان تجيب على كل اسئلته بهدوء وصدق حتى تستطيع طلب المساعدة منه فيما بعد: لا. دة كان قراري انا.الحقيقة في البداية كنت مسلمة بس بالاسم لكن بعد ما بدات اكبر وافهم وكنت بشوف بابا وهوة بيصلي وبسمعه وهو بيقرأ القرآن حبيت فكرة اني اكون مسلمة وبدات أقرأ كتير عن الاسلام والقرآن والسنة وبدأت في حفظ سور من القرآن ولما كنت بحس براحة نفسية بعد الصلاة قررت اني احافظ عليها وكان لازم اتم كل دة بلبس الحجاب.
اختطفت نظرة سريعة ناحيته لتلمح نظرة اعجاب سريعا ما اختفت من ملامحه. في تلك اللحظة وجدت جدها ينهض وهو يقول ليوسف بارتياح: معلش بقا يا يوسف هسيبكم شوية عشان ميعاد الدوا بتاعي
وعندما حاولت مريم الذهاب لمساعدته هز رأسه بالرفض:خليكي انتي يا مريم ,انا مش هتأخر
وبالفعل تركها جدها وحدها مع ذلك الغريب الذي وللمرة الثانية يتخطى حاجز الصمت اولا بلهجة باردة: اعتقد انه من الافضل اننا ندخل في الموضوع على طول. طبعا انتي عارفة سبب زيارتي النهاردة.عبدالرءوف العجوز قرر انه يوفق راسين في الحلال.
قال جملته الاخيرة بابتسامة ساخرة حاولت مريم ان تتجاهلها وتتجاهل اهانته لجدها كذلك حتى لا تثير غضبه الى ان تنتهي من خطتها لذا أجابته بهدوء يشوبه بعض القلق: اه للأسف عارفة.عشان كدة كان كويس اوي ان جدي سابنا لوحدنا.انا رافضة الجوازة دي
وعندما وجدت علامات الاستنكار وربما الغضب قد بدأت تتسلل الى نظراته استدركت الخطأ الذي ربما قد وقعت فيه دون ان تدري فيبدو انه غير معتاد على ان ترفضه امرأة: زي مانت كمان اكيد رافضها.بس الفرق بيني وبينك اني مش هقدر اقول كدة لجدي اما انت فأكيد هيسمع كلامك. تقدر تقوله انك حسيت اني مش فتاة احلامك وانك مش عاوز تتجوزني ولا تكمل حياتك معايا.
فقرر يوسف ان يسايرها في خطتها: ولو سأني عن السبب؟
مريم:قوله مثلا اني شكلي مش عجبك
يوسف بابتسامة خبيثة: ساعتها هيعرف اني كداب جدا.عشان مفتكرش ان فيه راجل طبيعي ممكن ان شكلك ما يعجبوش
احمر وجهها للغاية لا تعرف ان كان من الخجل ام من الغضب: قوله ان تفكيرنا مش واحد
يوسف باستخاف: مفتكرش اني هتجوز واحدة عشان اقعد افكر معاها.صدقيني وقتي وشغلي مش هيسمحوا بكدة.
“shit” قالتها مريم لنفسها فهذا الرجل بانتقاداته وتلميحاته الجارحة يحبط مخططاتها واحدة تلو الاخرى واخيرا قالت بعصبية: خلاص. شوف انت السبب اللي يناسبك وقوله
مال يوسف قليلا للامام: انا عاوزة اسألك سؤال.ياترى انتي رافضة فكرة الجواز عموما ولا رافضة فكرة انك تتجوزيني؟
حقيقة لقد اربكها سؤاله هكذا اعترفت مريم لنفسها واخيرا اجابت: انا معرفكش وانا رافضة فكرة الجواز بالطريقة دي
اومأ راسة ايجابا وهو يقول بغموض: اه فهمت
حاولت مريم ان تستشف من خلال النظر الى تعبيرات وجهه ما يرمي اليه او ما يفكر به في تلك اللحظة ولكن بلا جدوى ,الى ان عاد عبد الرءوف مرة اخرى وهو يعتذر لضيفه بلهجة مراوغة لم يفهمها سوى يوسف وكان يهم بالجلوس على الأريكة التي تفصل بين يوسف و مريم:معلش يا يوسف اعذرني لو كنت اتأخرت عليك
فاجابه يوسف بارتياح: ولا يهمك .انا اصلا اتأخرت ولازم امشي دلوقت لكن قبل ما امشي احب اطلب منك ايد الانسة مريم بشكل رسمي وانا وهي اتفقنا خلاص
صدمتها كلماته حتى انها لم تستطع ان تنفيها اما هو فأكمل لا مباليا بنظراتها الحانقة: طبعا انا موافق على كل طلباتكم .شوفوا انتم عاوزين ايه وبلغوني.
عبدالرءوف وقد ابهجه الخبر كثيرا: حقيقي يا يوسف انا كنت عارف ان المقابلة دي هتغير حاجات كتير بس بصراحة ما كنتش فاكر انها هتكون بسرعة اوي كدة وطالما انتم اتفقتوا خلاص يبقا انا مقدرش اقول غير مبروك.
استأذن يوسف من مضيفه للرحيل فطلب عبدالرءوف من مريم ان تقوم بتوصيل يوسف حتى باب الفيلا واعتذر لانه لم يستطع ان يقوم بذلك بنفسه. بالفعل سارت مريم بجوار ضيفها وهي تكتم غضبها بشدة الا ان خرجت من البوابة الداخلية للفيلا وعندما وطئت قدميها ارض الحديقة انفجر البركان وصاحت به بعد ان وقفت بمواجهته على بعد خطوات قليلة: انت ايه اللي عملته دة ؟ وما نفذتش اتفاقنا ليه؟
يوسف بنظرة حادة قال لها ببرود مصطنعا التجاهل: أنا مش فاكر اننا اتفقنا على اي حاجة
مريم وقد استفذها كلامه اكثر: ومادام احنا اصلا ما اتفقناش ازاي تقول لجدي اننا متفقين
يوسف: اتفقنا ان السبب الاساسي اللي يمنع جوازنا مش موجود اصلا وهو انك تكوني رافضاني لشخصي عشان كدة مفيش اي سبب تاني يمنعنا من اننا نتجوز
نظرت له مريم بتحدي وقالت باصرار واضح: لو السبب اللي انت بتقول عليه دة كان مش موجود في الاول فاسمحلي دلوقت اني اقولك ان انا مش عاوزاك انت شخصيا ولو حكمت اني اتجوز شخص جدي هوة اللي هيختاره فانا هتجوز اي حد الا سيادتك
بدا يوسف وكأنه لم يتأثر بكلامها ولم تهتز منه شعرة واحدة بسبب هذا الكره الذي اظهرته له فقال بصوت هادىء مشددا على كل كلمة يقولها: لكن جدك عمره ما هيوافق على حد غيري. عشان كدة بقولك لازم تقبلي بالامر الواقع وهوة انك هتكوني مراتي بموافقتك او غصب عنك وقريب جدا كمان لا عاداتنا كصعايدة مش هتسمح اننا نطول فترة الخطوبة. عن اذنك يا انسة مريم
ثم تركها ورحل وقد بدا عليها الذهول التام لم تعرف بما تجيب وهو ايضا لم ينتظر لسماع ردها فقالت محدثة نفسها: يعني ايه؟ معقولة يكون كلامة صح؟ يعني مفيش اي مفر؟ لا طبعا مستحيل.

———–———-———————-————

ونكمل في الحلقات القادمة ماتنسوش تعلقوا علي الحلقة في صفحة مدام طاسة والست حلة

 الى اللقاء في الحلقات القادمة

بقلم الكاتبة: رحاب حلمي