مسلسل غريبه في عالمك الحلقة الثالثة والرابعة عشر

الحلقة الثالثة عشر


*ما بين الجاني والضحية*
في شقة محمود البدري, وبعد أن أم أسرته في صلاة الفجر كما كان يفعل دائما, استأذن كريم وهو يتثاءب: طب عن اذنك يا بابا هروح أكمل نوم.
محمود: ماشي يا كريم,بس هبقا أصحيك تنزل معايا لصلاة الجمعة.
كريم: اوك يا بابا.
ووجه محمود ابتسامة صافية لزوجته وهو يقول لها: ما تقومي يا أم كريم تعمليلنا كوبايتين شاي من اديكي الحلوين دول.
فأسرعت حياة: خليكي يا ماما, انا هقوم أعمل الشاي.
فأوقفها صوت والدها قبل أن تنهض من على سجادة الصلاة: خليكي انتي يا حياة, انا عاوزك في كلمتين.
مها بابتسامة هادئة ونظرة ذات معنى لزوجها: خلاص,خليكي انتي يا حياة.
وتركت مها حياة لوحدها مع محمود الذي نهض من على الأرض ليجلس على الاريكة وأشار الى ابنته: تعالي هنا يا حياة اقعدي جنبي.
فأطاعت حياة الأمر على الفور, وبعد أن جلست على الاريكة بجوار والدها قالت له وفي عقلها العديد من علامات الاستفهام: تحت أمرك يا بابا.
محمود ولم تفارق الابتسامة وجه وقد قرر أن يسلك أقصر الطرق للوصول لهدفة: قوليلي بقا ايه رأيك في علاء ابن عمك؟
شعرت حياة بأن الدماء قد هربت من وجهها, ولكنها حاولت أن يبدو صوتها طبيعيا وهي تسأل: رأيي فيه من ناحية ايه يا بابا؟
محمود: من كل النواحي, يعني أخلاقه ,تفكيره, تعليمه, كل حاجة.
لم تعلم حياة بما تجيب, ولكنها حاولت الابتسام: طب وهو انا أعرف علاء أكتر منك بردو يا بابا؟
محمود بمراوغة: والله أنا عن نفسي شايف انه انسان كويس وأخلاقه عالية وأد المسئولية.
حياة باستسلام: خلاص يبقا هو كدة فعلا.
محمود: يعني انتي موافقة!
فسألت حياة بارتباك: موافقة! على ايه يا بابا.
محمود: على انه ييجي يخطبك.
فيما يتعلق بالمثل الشعبي الشهير “وقوع البلاء ولا انتظاره”, فهذا المثل لا ينطبق على حالة حياة في تلك اللحظة, فهي كانت تعمل دائما على تأجيل تلك اللحظة وللأبد, ولكن ها هي تأتي ولا تعلم كيف تتصرف؟ فعلاء علاوة على انه ابن عمها الا انه أيضا كما وصفه والدها شاب ممتاز تقريبا في كل شيء, ولا يمكن لأي فتاة متعقلة أن ترفضه لأي سبب أخر غير السبب الذي لا تستطيع حياة الافصاح عنه لوالديها.
رأى والدها أن صمتها قد طال فقال ليستحثها على الكلام: جرى ايه يا حياة؟ ساكتة يعني وما قولتيش رأيك! ولا زي ما بيقولوا السكوت علامة الرضا.
لم تعلم أتظل متمسكة بصمتها وليظن والدها كما يشاء أم انها تفاجئه برفضها لتضع نفسها في دوامة من التحقيقات لن تنتهي؟ ولكنها في النهاية قررت أن المماطلة في هذا الامر ستكسبها بعض الوقت للتفكير السليم في كيفية الوصول الى مخرج مناسب من تلك المشكلة, لذلك تصنعت ابتسامة خفيفة على محياها وهي تجيب: لا يا بابا, بس أنا كنت عاوزة شوية وقت عشان أقدر أفكر في الموضوع دة كويس, وكمان ما تنساش ان انا لسة باقيلي سنة في الكلية عاوزة أخلصها الاول, وبعد كدة ابقا افكر براحتي في موضوع الجواز دة.
محمود: وهو انتي يا بنتي هتكوني أول ولا آخر واحدة تتجوز وهي لسة بتدرس؟ وأقرب مثال صاحبتك مريم الكامل أديها اتجوزت وهي لسة يدوب داخلة تانية كلية, أما انتي فكلها سنة وتخلصي دراستك خالص, وبصراحة ابن عمك مستعجل وأنا مش شايف أي داعي للتأجيل, وهو عاوز يتمم كل حاجة قبل السنة الجديدة ما تبدأ عشان بعد كدة ما تبقاش تتحججي بالدراسة والمحاضرات, فقدامك دلوقت الاجازة كلها تقدري تجهزي فيها نفسك.
شعرت حياة وكأنها كالعصفور الجريح المحبوس في قفص دون أدنى أمل في النجاة, وسألت بصوت يائس: انت بتقول كدة ليه يا بابا وكأني وافقت يعني؟
محمود بصوت وكأنه قد تفاجأ بكلامها: وهو انتي ممكن ترفضي؟
حياة بتردد: يعني أنا لسة هفكر.
محمود بحزم: اسمعي يا حياة انا وان كنت بعاملك بلين ومش بحاول افرض عليكي حاجة غصب عنك فأنا بردو في الاول وفي الاخر راجل صعيدي, وانا كنت بوافقك على رفضك للعرسان اللي قبل كدة لأني كنت مستني اللحظة دي عشان المفروض اصلا انك مكتوبة على اسم ابن عمك علاء من يوم ما اتولدتي.
فظهرت نظرة خوف في عيني حياة: يعني ايه يا بابا؟ هتجوزني غصب عني؟
محمود: ان لزم الامر هعمل كدة. وكمان انا مش شايف اي سبب يخليني أرفض ابن عمك, وأهو قدامك شاب وميسور الحال وكمان باشمهندس اد الدنيا وشغال في الشركة اللي انا شغال فيها, يعني مستقبله مضمون ان شاء الله, تقدري تقوليلي انتي بقا سبب واحد يخليكي ترفضيه؟
لازت حياة مرة أخرى بالصمت وكادت الدموع تتساقط من عينيها في اللحظة التي دخلت فيها مها وهي تحمل الصينية التي عليها أكواب الشاي وتقول بصوت قلق: فيه ايه بس يا ابو كريم؟ صوتكم عالي كدة ليه؟
محمود بغضب: تعالي شوفي بنتك يا هانم؟ قال ايه مش عاجبها ابن عمها؟
حياة بصوت باكِ: يا بابا انا ما قولتش كدة, انا كل اللي قلته محتاجة فترة بس أفكر فيها.
فجلست مها بجوار حياة من الناحية الاخرى وأخذتها في حضنها وربتت على ظهرها وهي تقول لمحمود برفق: طب يا ابو كريم ماهو حقها بردو تفكر.
فنهض محمود وقد اشتد به الغضب: تفكر في ايه؟ هي دي حاجة محتاجة تفكير؟ كفاياكي دلع بقا يا هانم في البنت اللي مش عارف هيودينا لحد فين, واعملوا حسابكم انتم الاتنين انا بكرة ان شاء الله هخلي علاء يتصل بوالده عشان ييجوا يتقدموا رسمي. ومش عاوز أسمع كلمة تانية في الموضوع دة.
وخرج محمود وهو في قمة غضبه, أما حياة فقد تركت العنان لدموعها وأجهشت بالبكاء ومها تحاول أن تهدئها بكل الطرق, فليس أمامها سوى ذلك في تعلم جيدا عندما يصر زوجها على أمر لن يتراجع عنه مهما حصل, ومن ناحية أخرى لا تستطيع أن تقف بجانب ابنتها المبهم.
_ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _
نعود مرة أخرى الى فيلا يوسف جلال وفي غرفة مريم وقد انتهت من صلاة الفجر خلف زوجها, حيث قد أذن للفجر وهما يجلسان بجوار الهاتف في الانتظار للطمئنان على جدها ,وبعد أن تم لها ذلك طلبت من يوسف أن يؤمها في الصلاة, وقد فعل, وبعد التسليم وقد ارتاح قلبها بدرجة أكبر ابتسمت ليوسف تقول له: تقبل الله.
يوسف: منا ومنكم, ياللا بقا قومي نامي, افتكر كدة خلاص اطمنتي على جدك ولازم تستريحي شوية.تصبحي على خير.
مريم: وانت من اهله.
ونهض الاثنان وعندما توجه يوسف ناحية حجرته سمع صوتها الرقيق يقول له: يوسف! متشكرة اوي.
أدار يوسف وجهه اليها ليسألها بدهشة: على ايه.
مريم ببراءة تخطف القلب: علشان تعبتك معايا, وانت كان باين عليك انك كنت مرهق اوي و مع ذلك أصريت انك تفضل معايا لحد ما اطمنت على جدو.
يوسف باهتمام: سبق وقولتلك ان جدك مش غالي عليكي انتي لوحدك.انا كمان كنت عاوز اطمن عليه, هو صحيح جدك انتي بس انا عاشرته اكتر منك.ومش عاوز اقول اني كمان ممكن اكون بحبه اكتر مانتي بتحبيه.
مريم: صحيح انا عشت معاه فترة قليلة اوي, بس في الفترة دي بقا هو كل حياتي, وما بقتش قادرة اتصور اني ممكن أعيش من غيره.
فاقترب يوسف منها قليلا بحذر وهو يسألها: هو انتي دايما كدة؟
فسألته مريم وهي لم تستوعب سؤاله: كدة ازاي يعني؟!
يوسف: يعني دايما بتوقفي حياتك على شخص واحد, في الاول كان باباكي وبس , ودلوقت جدك وبس, دة حتى ساعة الفرح حسيت انك موقفة فرحتك على وجود صاحبتك اللي اسمها حياة. ليه كدة؟
فردت حياة وقد اعتلت ابتسامة حزينة شفتاها: انت فاكر ان دة بمزاجي. دة قدري. يعني اي انسان بيكون عاوز انه يبقا في وسط ناس كتير بيحبوه وبيخافو عليه ويحس بالأمان في وجودهم, بس انا ظروفي كانت مختلفة, بابا و ماما انفصلوا بعد جوازهم تقريبا بتلات سنين ولان ماما كانت مشغولة بحاجات كتير غيري فبابا هو اللي تولى تربيتي لوحده, بس رباني على اني ازاي اكون مسلمة شرقية وطبعا دة خلاني تقريبا ما يكونش ليا اي أصحاب غير بابا نفسه حتى البنات الشرقيين نفسهم اللي كانوا عايشين في بريطانيا كانوا بيتأقلموا بسرعة على الحياة هناك لدرجة انهم كانوا بيعاملوني انا على اني أجنبية بعكس أصحابهم البريطانيين, حتى بعد ما بابا مات حاولت اشتغل وأفضل عايشة هناك بس للأسف الشغل لبنت مسلمة ومحجبة بالنسبالي ما كنش سهل عشان كدة فكرت اكتب لجدو جواب بس كنت مترردة اوي, كنت خايفة انه غضبه وزعله من بابا هيخليه يتجاهل جوابي, لكن عكس كل توقعاتي لقيت جدو بيرحب بوجودي معاه ولما جيت حسيت انه كان محتاجلي اوي زي مانا كنت محتاجاله ويمكن اكتر, بس مشكلتي فضلت زي ماهي لما حاولت اصاحب بنات من سني هنا لقيتهم بردو بيتجنبوني لسبب معرفوش.
ثم ابتسمت ابتسامة مرحة وهي تقول: حياة مرة قالتلي بالحرف الواحد انهم بيغيروا مني بسبب شكلي الاوروبي دة.
رأته ينظر اليها باهتمام وكأنه لأول مرة يراها ويريد أن يحفر لها صورة في ذاكرته فتابعت وحمرة الخجل تعلو وجهها: فمش لقيت غير حياة وشوية بنات كدة هما اللي قبلوا صداقتي ومن ساعتها بقا جدي وهما اللي بيملوا عليا حياتي هنا. يعني زي ما قلتلك دة كان قدري وانا رضيت بيه.
عاد يوسف من شروده الى أرض الواقع وهو يقول لها بتنهيدة: تصبحي على خير يا مريم.
مريم: وانت من اهله.
وبعد ان ذهب يوسف الى حجرته شعرت مريم بموجة من السعادة تجتاحها لا تعلم لها سببا ولكنها أرجعتها الى أنها قد اطمئنت الى ان حالة جدها أصبحت مستقرة و أنه قد تجاوز مرحلة الخطر,فهكذا حاولت اقناع نفسها.
_ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _
في حجرة المكتب بفيلا كمال وهدان وقف ماهر يستمع الى والده الذي كان يجلس خلف مكتبه ويتحدث عبر الهاتف: ماشي يا حامد بيه, تمام كدة, بس ما تنساش نصيبي بقا. أوك, جود لاك.
ثم وضع السماعة مكانها وهو يتنهد في ارتياح فسأله ماهر: بس انا نفسي أعرف حاجة يا بوب, هو احنا ليه ما اخدناش المناقصة دي لينا؟
كمال: ما كنش ينفع, اولا لانها اكبر من امكانياتنا, وثانيا احنا مش عاوزين نظهر في الصورة دلوقت, لازم نستنا الاول لحد ما نعرف مصير عبدالرءوف دة ايه, وامتى بقا هيموت ويريحنا؟
ماهر: هي ماما كلمته امبارح؟
كمال: ايوة يا سيدي هي كلمت المستشفى واطمنت على انه خرج من اوضة العمليات و عدى مرحلة الخطر خلاص.
ماهر بتذمر: يوووه بقا. هو هيفضل كاتم على نفسنا كدة لحد امتى؟
كمال: الخوف دلوقت ما بقاش من عبدالرءوف وبس, المشكلة دلوقت بقت اكبر من كدة, المشكلة الاساسية بقت في اللي اسمه يوسف جلال دة اللي ناوي يقفلنا زي اللقمة في الزور وخصوصا بعد جوازه من البنت اللي بيقولوا عليها بنت عمتك دي.
ماهر وقد امتلأت عينيه بنظرات شيطانية: وغلاوتك عندي يا بوب ليكون طلاقهم على ايدي وفي اسرع وقت كمان.
_ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _
كانت مريم تجلس أمام التلفاز بصحبة وليد الذي كان يمسك في يده أداة التحكم الخاص به”الريموت”, فقالت لها مريم بشبه توسل: معلش يا وليد خلي الكرتون, عشان خاطري.
فقال لها وليد بمزاح: يا بنتي كرتون ايه؟ اكبري بقا, احنا هنتفرج على فيلم, اوك؟
فظهر الحزن على وجهها الطفولي الصغير وهي تمط شفتيها بتذمر والحاح: طب نتفرج ع الكرتون الاول وبعدين نقلب على فيلم. عشان خاطري يا وليد,عشان خاطري.
وليد: الله يكون في عونك يا يوسف.
فاتجه نظر مريم ناحية باب المكتب وهي تسأل وقد ظهر الارتباك على ملامحها: هو يوسف هيفضل قاعد في المكتب كدة كتير؟
وليد: اصل المناقصة بتاع بكرة مهمة اوي, ويمكن تنقل شركة الكامل نقلة كبيرة عشان كدة هتلاقيه مشغول بيها لحد ما يضمن انها خلاص بقت في جيبه, وأكيد هو بيراجع ورقها دلوقت.
ثم أكمل بلهجة خاصة وبشكل فكاهي: نصيبك كدة بقا انك تتجوزي راجل أعمال ناجح.
فردت مريم بلهجة مرحة على فكاهته: يبقا الله يكون في عونها بقا اللي هتتجوزك انت كمان.
وليد بلهجة دفاعية: لا يا ستي, انا بحب أدي لكل حاجة حقها, الشغل ليه وقته والبيت ليه وقته.
مريم باعجاب: يبقا بقا نقول الله يسعدها ويهنيها اللي هتكون من حظها.
وليد بشرود واصرار: حياة يا مريم. مش هتجوز غير حياة, ومش هقبل اني أشوفها بتتجوز حد غيري.
فقالت مريم و هي تحاول رسم ابتسامة رقيقة على شفتيها: ربنا يسعدكم.
ثم سمعا صوت الهاتف الخاص بمريم يرن والذي كان أمامها على المنضدة,فأمسكت به مريم وبدأت ترد: السلام عليكم……ايوة يا حياة ازيك……ايه؟مالك؟……طب خليكي معايا.
وتوجهت مريم ناحية الباب الداخلي للفيلا والمؤدي الى الحديقة و تتبعها نظرات وليد القلقة منذ أن سمع اسم حياة. نظرات مريم و حديثها عن تأجيل تقدمه لخطبة حياة قد أدخلا الشك في قلبه.
وفي الناحية الاخرى نجد مريم تتحدث عبر الهاتف وقد ظهر الانفعال في حدة صوتها: ازاي يعني تتجوزي غصب عنك؟….. ياحبيبتي والله انا حاسة بمشكلتك بس مش عارفة أعمل ايه؟…….. طيب تحبي آجي لعمو وأكلمه واحاول اقنعه بانه يأجل الموضوع شوية؟……طيب انتي شايفة ايه الحل؟…….يا حياة ارجوك اهدي شوية……طيب شوفي انا طبعا مش هقدر أخرج دلوقت بالليل فهبقا اعدي عليكي بكرة ان شاء الله ويمكن تكون واحدة فينا قدرت تلاقي حل كويس لمشكلتك دي…….ماشي يا حبيبتي……مع ألف سلامة.
وانهت مريم المكالمة وفكرها مشغول محاولة ايجاد اي حل مناسب لمشكلة صديقتها التي بدت وكأن لا حل لها, ثم قررت العودة الى الداخل حتى لا تثير أي شكوك فأدارت وجهها ناحية باب الفيلا ثم صرخت مذعورة.
: اهدي يا مريم, ما تخافيش, دة انا.
كان هذا صوت وليد الذي أشار لها بيديه محاول ان يطمئنها, الى أن هدأت قليلا بعد أن استوعبت المفاجأة وقالت له بصوت لاهث: حرام عليك يا وليد, انت ايه اللي موقفك هنا؟
قرر وليد ألا يبوح لها بالحقيقة التي تتمثل في أنه قد جاء خلفها ليعلم ما الأمر الذي تخفيه عنه: أبدا, انا بس اتخنقت من التليفزيون فقررت اتمشى شوية في الجنينة.
مريم وهي تبتعد عنه متجهة الى الداخل: اوك, تصبح على خير بقا؟
ولكنه وبخفة قد اعترض طريقها: ارجوكي يا مريم استني شوية.
تعجبت مريم من تصرفه ونظرت اليه بتساؤل, بينما كان هو يحاول ان يرتب أفكاره ويختار الكلمات المناسبة التي يمكنه ان يستجوبها بها دون ان تشعر, ولكنه لم يكن يحبذ تلك الطرق الملتوية, فهو دائما يمتاز بصراحته والتزامه فقرر ان يكون سؤاله مباشرا: هو فيه ايه يا مريم؟
مريم: فيه ايه ازاي يعني؟
وليد: فيه ايه بخصوص حياه انتي بتحاولي تخبيه عليا؟ انا من ساعة ما فاتحتك في اني متعلق بيها وعاوز اتقدملها حاسس بانك بتلفي وتدوري عليا وكأنك عاوزة تبعديني عنها, حتى دلوقت سمعت كلام كدة بينكم بيقول ان فيه مشكلة, ومشكلة جامدة كمان, فممكن لو سمحتي اعرف هي ايه؟ مش يمكن اقدر أحلها أو ع الاقل مابقاش زي الاطرش في الزفة.
ترددت مريم قليلا في ان تخبره بالحقيقة أو ان تستمر في خداعه. فتلك هي المرة الاولى التي تجد نفسها في موقف كهذا, ولكن لتتخلص من نظراته الملحة قررت ان تقول له نصف الحقيقة, ذلك الجزء الذي لن يتسبب في جرح أحد, ولكنها لم تكن تعلم ان الذي يتنازل قليلا يمكنه أن يتنازل كثيرا: اصل حياة جالها عريس , وباباها مصر انها تتجوزه.
رأت الصدمة على محياه, فقالت لنفسها: اتصدمت بس لما عرفت كدة, امال لو عرفت كل حاجة هتعمل ايه؟
وليد بنبرة واثقة: علاء ابن عمها, مش كدة؟
مريم: ايوة هو.
وليد: وياترى هي موافقة؟
مريم: وتفتكر انها لو كانت موافقة كان هيبقا فيه مشكلة؟ بس باباها مش قابل اي نقاش في الموضوع دة.
وليد: طب انا مستعد ان اتقدملها من بكرة, لا يا ستي من دلوقت, وأقدر اقنع باباها باني انسب ليها من اي حد تاني بس هي توافق.
مريم بارتباك واضح: مفتكرش انها هتوافق.
وليد بشك: ليه يا مريم؟ هي للدرجادي مش عاوزاني؟ طب يعني لا انا ولا ابن عمها؟ امال هي بتفكر في مين؟
مريم: حياة مش بتفكر في حد.
بدا على وليد نفاذ صبره من محاولات مريم المتكررة لمراوغته فظهر صوته حادا: مريم! مش دي كل الحقيقة. احساسي بيقولي انك مخبية حاجة تانية, وانا مصر اعرف ايه هي؟
فكرت مريم كثيرا في كيفية ايجاد مخرج لتلك الورطة التي قد أوجدت نفسها بها, ولكنها لم تنجح, فكان ان استجمعت شجاعتها لتقول: انا هقولك على كل حاجة, بس اوعدني ان محدش يعرف غيرك مهما كان موقفك من اللي هقوله.
وليد وقد بدأ يشعر بأن الامر خطير بالفعل كما كان يعتقد: أوعدك.
ثم شرعت مريم في سرد كل ما قصته عليها صديقتها وهي تلمح على وجه وليد تعبيرات توحي بالصدمة وعدم التصديق وقد كانت تلتمس له العذر لذلك, الى ان انهت كلامها وظلت تنتظر ردة فعله, ولكنه بدا لها في عالم آخر, ووجدته يقول هامسا وكأنه يحدث نفسه: مش ممكن! طب ازاي؟ حياة!
رأت مريم في عينيه نظرة اتهام فاستعدت للدفاع عن صديقتها: وليد! اللي حصل دة كان غصب عنها. انت لازم تبصلها على انها مجني عليها مش جانية.
وليد باستخفاف: مجني عليها!
مريم: طبعا, انا عارفة انك مصدوم دلوقت. بس من صدمتك دي تقدر تحس هي اد ايه اتجرحت.واد ايه اللي حصل دة كان مصيبة ليها اكتر من أي حد تاني.
وليد بانفعال وقد ظهر الألم في صوته: وانا المفروض مين اللي يحس بيا؟ ازاي تسيبني اتعلق بيها بالشكل دة وتفضل ساكتة؟!
مريم بحذر: وانت كنت عاوزها تعمل ايه؟
شعر وليد بأن السؤال قد ألجم لسانه عن الاجابة, فظل صامتا, فانتهزت مريم الفرصة لتكمل علها تجد منه بعض اللين: وليد! صدقني حياة اتظلمت أوي وبلاش انت كمان تكمل عليها.
وليد بحدة: بس ما تقوليش اتظلمت. بنت كانت ماشية بالشكل اللي حكتيلي عنه دة وتصاحب ناس زي اللي وصفتيهم. تستاهل اي حاجة تجرالها.
مريم: وهي مش بتنكر انها غلطانة. بس مش ممكن يكون دة عقابها. احنا لازم نقف جنبها.
وليد بدهشة: نقف جنبها؟ وعاوزانا نعمل ايه بقا ان شاء الله؟ انتي تقدري تروحي لابن عمها دة وتقنعيه انها مظلومة ومجني عليها؟
مريم: انا بتكلم عنك انت يا وليد مش بتكلم عن ابن عمها. انت الانسان اللي المفروض انه بيحبها.
وليد مصححا بحدة وكأنه ينفي عن نفسه تهمة: كنت. كنت بحبها يا مريم. أيام ما كانت بالنسبالي مثال للعفة والطهارة. أيام ما كانت عالية أوي في نظري.
مريم: وهي سقطت من نظرك دلوقت؟
لجأ وليد الى الصمت مرة أخرى فاستحثته مريم على الرد: مالك يا وليد؟ سكت ليه؟ ما تجاوب.
وليد: للأسف يا مريم.
مريم: ياااااه, بسرعة كدة؟! يا وليد اذا كان ربنا بيسامحنا ويغفرلنا أخطاء بنعملها متعمدين لما بنتوب ونرجعله, انت بقا مش قادر تسامحها على غلطة حصلت غصب عنها؟ وانت بنفسك شهدت لأخلاقها وتدينها.
وليد: وانا أضمن منين ان كل دة مش مجرد ستارة بتداري بيها على عملتها؟ وليه اصلا ما تقوليش ان اللي حصل دة كان بمزاجها وانها اخترعت كل القصة دي عشان تكسب عطف اللي حواليها مش اكتر؟
مريم: ما انت لو كنت في كامل وعيك كنت جاوبت على نفسك. تفتكر لو ظنك دة كان في محله كان ايه اللي خلاها لحد دلوقت تسكت وتخبي على اهلها؟ بلاش دي. طب لو كانت هي زي مانت بتقول ايه اللي يخليها اصلا تكشف سرها ليا وترفض انها تتجوز ابن عمها؟ مع انها كان ممكن تقبل تتجوزه وتضحك عليه بعملية كانت ممكن اي بنت تعملها عشان تضحك بيها بعد كدة ع الانسان اللي هتتجوزه…..تفتكر هي ليه ما عملتش كدة غير لانها مش عاوزة تخدع حد مع انها في ظروف أي بنت غيرها كانت فكرت في نفسها وبس من غير ما تحط في اعتبارها اي حد تاني. ما ترد عليا يا وليد.
لاذ وليد بالصمت مرة أخرى لا يعلم بما يجيب فلقد تضاربت الأفكار في عقله وقد اعتصر قلبه من الالم, وما كان منه الا ان تركها ومشى بخطى سريعة الى الخارج.
فدعت مريم أن يلهمه ربه الصواب, فهي تخشى منه وعليه؛ منه لانها قد أفشت له سر صديقتها التي قد ائتمنتها عليه وهي لاتعلم كيف ستكون ردة فعله أسيبقى على عهده معها ويظل السر بينهما فقط أم ان الصدمة التي تلقاها أكبر عنده من أي عهد؟ وتخشى عليه حيث تراه للمرة الأولى في حالة يرثى لها وكل كلمة ينطق بها محملة بالغضب والالم الذي يملأ كيانه بعد أن كانت قد اعتادت على مرحه ومزاحه المتواصل و ظلت تسأل نفسها أسيبقى وليد كما كانت تعرفه من قبل ذلك الشاب المرح الهادىء الملتزم, أم ان جراح القلب يمكنها أن تغير كثيرا من تصرفات العقل؟!
قررت مريم في النهاية أن تدخل الفيلا وستترك الوضع على ما هو عليه حتى يجد جديد, وعندما توجهت الى مدخل الفيلا وجدت يوسف في انتظارها يقف عند المدخل عاقدا ذراعيه حول صدره وفي عينيه الكثير من التساؤلات فعلمت انها بصدد استجواب جديد ولكن من نوع آخر, ولكنها فضلت ان تتجاهل ذلك وعندما اقتربت منه قالت له بصوت حاولت ان يبدو متزنا: مساء الخير.
تجاهل يوسف تحيتها وسألها وقد بدا عليه الضيق الشديد: هو وليد ماله؟ مش متعود انه يخرج من البيت في وقت زي دة غير لما يبقا فيه حاجة مهمة.
فأجابت مريم ببساطة وهي تتجه ناحية السلم: معرفش. يبقا اسأله.
ثم توقفت في منتصف القاعة مترددة وكان يوسف قد دخل وأغلق باب الفيلا فأدارت وجهها اليه فجأة تسأله: يا يوسف تفتكر رد الفعل لراجل حب واتصدم في البنت اللي بيحبها ممكن يكون ايه؟
يوسف باقتضاب: معرفش لأني ما جربتش.
مريم: يا ترى ايه الي ما جربتوش؟ الحب ولا جراحه؟
يوسف: ما جربتش الحب عشان بيكون نتيجته الجرح. قوليلي بقا, صاحبتك حياة هي السبب؟
كانت مريم تشهد ليوسف بالذكاء الحاد, ولذا فكانت على يقين تام بأنه يعلم بشعور أخيه ناحية صديقتها, ولكنها فكرت في مراوغته: وايه علاقة حياة بوليد؟
بدا ان يوسف ليس في مزاج يسمح له بمجاراتها في لعبتها فقال لها محذرا بصوت ينذر بالخطر: اسمعي يا مريم, ان كنتي انتي في كل مرحلة من عمرك بتوقفي حياتك على شخص معين فأنا بقا حياتي كلها متوقفة على شخص واحد هو وليد أخوية هو بالنسبالي الأخ والابن ويمكن كمان بحس انه الأب لما بيحب ينتقد تصرفاتي, وعشان كدة مش هسمح لأي حد مهما كان انه يفكر ولو لمجرد التفكير انه يدوسله على طرف, ساعتها انا ممكن أمسح الشخص دة سواء كان راجل او ست بأستيكة وما أخليش ولا حتى الدبان الازرق يعرفله طريق جرة, انتي فاهماني؟
شعرت مريم ببعض الخوف من تهديده ولكنها أخفت ذلك خلف غضبها قبل ان تصعد الى غرفتها: وانت بتقولي أنا الكلام دة ليه؟ انا اصلا عمري ما هفكر اني أذي وليد ودة مش عشان هو أخوك ولا عشان الكلام اللي انت قلته دة. لا , عشان هو فعلا انسان ما يستحقش ان حد يأذيه. تصبح على خير.
_ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _
على كورنيش النيل كان يقف وليد ينظر الى النيل بميائه الصافية وضوء القمر والنجوء يتلألأ فيها كحبات الالماس, ولكنه لم يكن يشعر بكل ذلك الجمال من حوله حيث كان ينظر اليه بفكر شارد لا يتذكر سوى صورتها التي تتمثل له على صفحات المياه ولا يرى سوى ابتسامتها الخجولة ولا يسمع سوى صوتها الرقيق المملوء بالشجن, وقد كان بداخله صراع رهيب يدور بين عقله الذي يوجه اليها الاتهام مع وجود كل الادلة التي تثبت ذلك وقلبه الذي يرفض ان يسلم بتلك الحقيقة وأخذ يحدث نفسه: معقول بعد ما كنت قافل قلبي ورافض اني لأي واحدة انها تدخله مهما كانت, اجي لما افكر اني افتحه تكون اول واحدة تدخله تبقا……..ياااااااااه. ليه كدة يا حياة؟ ليه خلتيني احبك بالشكل دة؟ ليه سبتيني اتعلق بيكي اوي كدة؟ دة انتي الوحيدة اللي كنت حاسس اني هبقا مطمن وانا بسلمها اسمي وسمعتي. قال ايه وانا اللي كنت ناوي ارفض بنت عمتي علشانك. ع الاقل هدى انا عارفها من صغرها وتقريبا متربية قصاد عيني وعمري ما هتخدع فيها بالشكل دة.ااااااااااااااااه , لا انا بقيت عارف أصدق انك فعلا ضحية واتضحك عليكي ولا بقيت عارف أكدب كل الشواهد اللي بتقول انك فعلا تستاهلي كل اللي جرالك وما تستحقيش اني حتى أرجع وأفكر فيكي تاني أو ألتمسلك أي عذر. يا ريتني ما عرفتك, ياااااارب أعمل ايه بس؟
وبعد فترة طويلة من التفكير المشوش سمع وليد صوت المؤذن: الله أكبر……الله أكبر.
وليد: الله أكبر, والعزة لله.
ثم توجه الى الجامع لتأدية الفريضة و قد خطر على باله قول الرسول: “أرحنا بها يا بلال”, وقد كان وليد في أمس الحاجة لتلك الراحة, فكان يريد ان يشكي بثه وحزنه الى الله, لعله ينير دربه ويلهمه الصبر والسلوان.
أدى وليد صلاته, وقد شعر بأن كل الهم الذي كان يحمله فوق عاتقه أصبح يتلاشى شيئا فشيئا ,ثم توجه عائدا الى المنزل, وما ان دخل الفيلا,حتى تفاجأ بصوت أخيه يأتيه من حجرة المكتب: وليد! كنت فين لحد دلوقت؟
توجه وليد الى حيث يقف أخوه عند باب المكتب الذي كان يبدو عليه هو الأخر انه لم يذق طعم النوم في تلك الليلة, وقال له وقد ظهرالارهاق واضحا على صوته: كنت بتمشى شوية, وسرقني الوقت لحد ما أذن الفجر عليا فقلت أصليه بالمرة.
يوسف: وليه ما كنتش بترد ع الموبايل؟
وليد: معلش, ما اخدتش بالي انه كان بيرن.
شعر يوسف بالقلق على أخيه فقال له برفق: مالك يا وليد؟ فيه ايه؟ باين عليك انك تعبان.
وليد: لا ابدا, يمكن بس عشان ما نمتش.
يوسف: خلاص, اطلع ناملك شوية, ومش مهم تروح الشركة النهاردة أنا هبلغ السكرتارية انها تلغي مواعيدك بتاع النهاردة. بس ياريت تحاول تصحى على العصر كدة عشان تستقبل عمتك وهدى لانهم اتصلوا وقالوا انهم جايين النهاردة.
وليد بلا ادنى اهتمام: ان شاء الله.
وقبل أن يصعد الى غرفته توقف عند أولى درجات السلم والتفت مرة اخرى نحو يوسف وهو يقول بنبرة جافة لا تحمل أي تعبير: على فكرة يا يوسف, أنا خلاص نويت أسمع كلامكم وقررت اني اتجوز.


الحلقة الرابعة عشر
*زواج تحت التهديد*
في مكتب عبدالرءوف بشركة الكامل, اجتمع يوسف بكبار موظفي الشركة ليصب عليهم غضبه: دة يبقا اسمه كلام فارغ ولعب عيال. يعني ايه نخسر مناقصة زي دي؟ وازاي اللي اسمه حامد دة يقدم مميزات أفضل مننا وكمان بسعر أقل؟!
فقال محمد جمال بصوت متلجلج وقد كان أحد الموظفين الموجودين بالاجتماع: قصدك ايه يعني يا فندم؟
فرد عليه يوسف بلهجة تنذر باقتراب ثوران بركان الغضب بداخله ومشددا على كل كلمة يقولها: قصدي بالظبط اللي انت فهمته يا فندم, اصل مش معقول يعني واحد زي اللي اسمه حامد مسعود ياخد مننا مناقصة زي دي بسهولة كدة و تحاول تقنعني ان الموضوع عادي والمنافسة كانت شريفة.
تكلم موظف آخر بحدة: يا فندم حضرتك كدة بتشكك في staff العمل كله.
فأشار يوسف باصبعه ناحية الجميع بنظرة اتهام لا يمكن لأحد ان يخطئها ولهجة قوية حازمة: وهتفضلوا كلكم محل شك عندي لحد ما اعرف الحقيقة ولو دة ما حصلش وعد مني انا شخصيا اني هغير ال staff كله. اتفضلوا على مكاتبكم.
وخرج الجميع ماعدا واحدا, فسأله يوسف بنفاذ صبر: خير يا وائل؟ فيه ايه؟
وائل: انا اسف يا فندم, بس كنت عاوز اقول لحضرتك حاجة كدة.
يوسف بعصبية: لخص يا وائل, انا مش ناقص ألغاز.
وائل: انا شاكك في واحد معين هو اللي ممكن يكون ورا خسارتنا للمناقصة دي.
فنظر له يوسف باهتمام, ولكنه قال له بلهجة ثابتة: مفيش حاجة عندي اسمها شاكك, أدامك أد ايه عشان تقدر تجيبلي دليل على اتهامك دة؟
وائل: طب هو حضرتك مش عاوز تعرف الاول مين دة اللي انا شاكك فيه؟
يوسف بكل ثقة: محمد جمال.
صدمه اطلاع يوسف على الأمر, وما صدمه أكثر هي ثقة يوسف وهو ينطق الاسم: طب مادام حضرتك عارف, ليه مش راضي تتخذ معاه اي اجراء لحد دلوقت؟
يوسف: لأني زيك شاكك, وانا مش هحاسب انسان لمجرد الشك, وائل! انا هعتمد عليك انت في الموضوع دة. سواء كان محمد جمال أو غيره, انا عاوز دليل في ايدي قبل ما عبد الرءوف بيه يرجع. فاهم؟
وائل: فاهم يا فندم.
يوسف بلهجة تشجيعية: ربنا يقدرك. ياللا بقا اتفضل دلوقت على مكتبك.
وائل قبل أن يغادر المكتب: أمرك يا فندم.
وخرج وائل لتأتي هناء بعده تقول: اسفة يا فندم, لكن مدام علياء برة أديلها نص ساعة, أدخلها؟
يوسف بتأفف: علياء! مش وقتها خالص.
هناء: لو تحب سيادتك, ممكن أقولها ان حضرتك وراك مواعيد أو اجتماعات تانية.
يوسف: لا, دخليها, ويبقا اطلبيلي فنجان قهوة.
هناء: حاضر يا فندم.
وخرجت هناء, وما هي الا لحظات لتدخل علياء وقد سبقها عطرها الفواح, استطاع يوسف رغم الارهاق الذي يشعر به رسم ابتسامة هادئة على شفتيه وهو يقف لها مرحبا: أهلا يا علياء ايه أخبارك؟
وبعد أن صافحته علياء وجلست على الكرسي قبالته, قالت له معاتبة بدلال: لا يا يوسف, انا مخصماك جامد.
يوسف: طب تشربي ايه الأول؟
علياء: لا يا سيدي انا مش عاوزة أشرب حاجة. بقا أهون عليك كدة لا نتقابل ولا حتى مكالمة تليفون من يوم الحفلة؟ ايه يعني ما وحشتكش ولا انت تقلان علينا؟
يوسف: لا دة ولا دة. بس انتي شايفة بعنيكي, أنا ما بين الشركة هنا وشركتي اللي بتابع أخبارها مع وليد, الشغل مش مخليني أخد نفسي أصلا.
علياء بلؤم: الشغل ولا المدام؟
يوسف بضيق: لو سمحتي يا علياء تخرجي مراتي برة كلامنا.
علياء متصنعة الحزن: ودة بقا أسميه ايه يا سي يوسف؟ يعني للدرجة مش طايق سيرتها؟ ولا ما تكونش بدأت تحبها؟
خرج صوته حادا دون أدنى محاولة منه للسيطرة على نفسه: علياء! انا مش ناقصك. فما تحاوليش تستفذيني النهاردة بالذات.
فقالت علياء التي شعرت بالخوف ولكنها استطاعت أن تحصن وجهها خلف قناع الابتسامة والاهتمام المزيف: مالك بس يا حبيبي؟ شكلك عصبي اوي النهاردة.
فهدأ يوسف قليلا وهو يعتذر لها: معلش يا علياء. عندي مشكلة كدة في الشغل و كمان في البيت ومش قادر أركز في حاجة تانية.
فقالت علياء وهي تهم بالنهوض كارهة: ولا يهك يا حبيبي. انا همشي بقا عشان أسيبك تركز بس هستنا منك تليفون قريب.اوك؟
فأومأ يوسف برأسه موافقا, ثم ودعته علياء وغادرت,ليجلس يوسف وحده محاولا السيطرة على نفسه من جديد وترتيب أفكاره مرة أخرى.
_ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _
وفي بيت محمود البدي نجد حياة تجلس على السرير بحجرة نومها والدموع تملأ عينيها تخشى السقوط ووجهها يبدو شاحبا من كثرة البكاء والارهاق وبجانبها مها التي كانت تضع يدها حول كتفها لتهدئتها وكان يقف أمامهما محمود والذي لم يكن قد رق لحالها بعد كما فعلت والدتها ولكنه كان عنيدا لأقصى درجة وهو يرد بجملته الحاسمة: حياة! انا قلت مفيش كلام تاني في الموضوع دة. ثم انا خلاص كلمت ابن عمك وهو قالي انه هيسافر الجمعة الجاية عشان يبلغ أبوه وهييجوا الاسبوع الجاي كلهم عشان يخطبوكي رسمي.
حياة وقد ضعف صوتها كثيرا: بس يا بابا, انت ما يرضيكش اني اتجوز غصب عني..مش كنت بتقولي ان اهم حاجة عندك هي سعادتي انا وكريم, فين سعادتي دي بقا وانت عاوز تجوزني واحد انا مش عاوزاه وما بحبوش!
محمود بغضب: حب ايه وكلام فارغ ايه؟ ابن عمك شاريكي وهيكون اكتر واحد يخاف عليكي, والحب الحقيقي هو اللي بييجي بعد الجواز, وأنا واثق ان علاء بأخلاقه و ذوقه هيعرف يخليكي تحبيه زي مانا واثق بالظبط انك عمرك ما هتلاقي انسان زيه.
حياة: بس يا بابا………..
محمود بشكل قاطع: مفيش بس.
ثم أكمل بنظرة مملوءة بالشك: وبعدين أنا اصلا مش مستريحلك, ورفضك دة مش طبيعي.
حياة بارتباك: قصدك ايه يعني يا بابا؟
محمود:يعني ايه اللي يخليكي ترفضي واحد زي ابن عمك علاء غير انك تكوني مشغولة بحد تاني؟
وهنا تحدثت مها لأول مرة بعتاب رقيق: ايه بس الكلام اللي بتقوله دة يا ابو كريم؟ ازاي بس تقول كدة على بنتك؟ دة احنا مربيينها هي واخوها احسن تربية.
محمود: استني انتي يا مها. انا عاوز اسمع الكلام دة منها هي. ما تردي يا حياة, انتي تعرفي حد تاني؟ ولو دة حقيقي ما جاش اتقدملك ليه لحد دلوقت؟
نظرت حياة الى الأرض متهربة من نظرات والدها المتسائلة ولا تعلم بم يمكنه أن تجيب ولكن قد أعفاها جرس الباب من الرد, فتحرك محمود من مكانه ليفتح الباب ويتفاجأ بشخصية الزائر: باشمهندس وليد!
وليد بابتسامة ودودة: مساء الخير.
محمود وكان لم يستوعب المفاجأة بعد: مساء النور.
وليد بصوت مرح: ممكن أدخل؟
تدارك محمود الأمر سريعا وهو يفسح الطريق أمام وليد ليستطيع الدخول: اه طبعا. أتفضل, أهلا وسهلا بيك.
وبالفعل دخل وليد وأغلق محمود الباب من خلفهما, وأشار الى احدى الغرف: اتفضل في الصالون يا باشمهندس. وبعد أن دخلا وجلس وليد سأله محمود: نجهز عشا بقا ؟
وليد: لا, مفيش داعي.
محمود: يا خبر! ازاي يعني؟ دة انت أول مرة تنورنا في بيتنا, ولا انت شايف اننا بخلا؟
وليد: لا طبعا. انا اسف , بس والله فعلا مش هقدر اكل , ولو ينفع يعني فياريت فنجان قهوة مظبوط.
محمود: عنينا يا باشمهنس. بعد اذنك.
وخرج محمود وهو في حيرة من أمره بسبب زيارة وليد المفاجأة, ولكنه قرر ألا يستعجل الامور, ثم دخل حجرة نوم حياة: ام كريم اعمليلنا اتنين قهوة مظبوط.
مها: هو مين اللي جه يا أبو كريم؟
محمود: دة الباشمهندس وليد جلال.
مها: ودة ايه اللي جابه السعادي؟
محمود: معرفش, قال يا خبر النهاردة بفلوس. ياللا قوموا بسرعة واعملوا القهوة. مش هنقعد نتسامر ونسيب الراجل قاعد لوحده.
مها: حاضر يا ابو كريم. دقايق وتكون القهوة جاهزة.
وخرج محمود لضيفه, وخلفه مها لاعداد القهوة, اما حياة فكانت في عالم آخر منذ أن سمعت اسم وليد وتعود بذاكرتها الى ظهر هذا اليوم حين قابلت مريم في أحد المطاعم وقد هربت الدماء من وجهها وهي تهتف في محاولة أن يكون صوتها منخفضا بقدر ما استطاعت: قولتيله يا مريم؟ قولتيله؟! هي دي الامانة اللي عهدتيني على انك تصونيها؟
مريم وهي تشعر بالذنب: والله يا حياة كان غصب عني, ما كنش قدامي حل تاني. وانا كنت فاكراه هيفهم ويقدر.
حياة بسخرية مريرة: هيفهم؟ ويقدر؟ انت فاكرة نفسك لسة في انجلترا يا مريم؟ فوقي بقا, انتي في مصر, والانسان اللي بتتكلمي عنه دة مش بس مصري وشرقي, لا دة كمان صعيدي. يعني لا هيفهم ولا هيقدر مادام الموضوع وصل للأعراض والشرف. وبالنسبة لواحد زي وليد ولو كان متعلق بيا زي ما كنتي بتقولي وعاوز يتجوزني, أكيد بعد اللي عرفه هيخلي كل حبه دة يتقلب لعداوة وكره, ومش بعيد يكون بيفكر دلوقت ازاي يقدر ينتقم مني عشان يرضي كبرياءه.
مريم بدون اقتناع كامل بما تقول: لا يا حياة. مفتكرش ان وليد يعني ممكن يكون بيفكر بالطريقة دي.
حياة: مش بقولك انتي طيبة أوي..أعمل ايه بس دلوقت انا يا ربي؟
أفاقت حياة من شرودها على صوت أمها وهي تقول لها: حياة . يا حياة. مالك يا بنتي؟
حياة: هه! فيه ايه يا ماما؟
مها: قومي يا بنتي غيري هدومك بسرعة وتعالي معايا.
حياة: أجي معاكي فين يا ماما؟
مها: تقابلي الباشمهندس وليد. هو طلب من أبوكي انك تيجي تقعدي معانا عشان الكلام اللي هيقوله يخصك.
أرادت حياة في تلك اللحظة ان تنشق الأرض وتبلعها وهي تردد بخضة: يخصني!
أما في حجرة الصالون نرى وليد يجلس مع محمود والابتسامة تعلو وجهه ويتحدثون في أمور شتى الى ان سمعا طرقا خفيفا على الباب, فقال محمود: ادخلي يا أم كريم.
ودخلت مها وخلفها حياة بخطى مترددة وقالت: السلام عليكم.
رد كل من وليد ومحمود: وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته.
محمود: اقعدي يا حياة هنا جنبي.
وجلست حياة حيث أمرها والدها وعينيها معلقة على وجه وليد لترى به تعبيرا غريبا لم تستطع تحديده, فهل تلك النظرة التي تراها في عينيه هي لوم وعتاب؟ ام عداء واحتقار؟ أم كل ذلك متجمعا في نظرة واحدة؟
افتتح محمود الحديث قائلا: وأدي حياة جات أهي يا باشمهندس, خير بقا؟
تنحنح وليد قليلا ثم قال والابتسامة تزين حديثه: الحقيقة يا استاذ محمود أنا كنت جاي النهاردة عشان اتقدم واطلب ايد الانسة حياة.
ان قلنا ان المفاجأة قد ألجمت لسان كل من محمود ومها فهي قد شلت جميع حواس حياة بالكامل, وظلت تتساءل هل ما تسمعه حقيقة؟ هلهو بالفعل يطلب أن يتزوجها هي بعد كل ما علمه؟!
وشعر وليد بالصمت يغلف المكان فازدادت ابتسامته وهو يسأل محمود: خير يا أستاذ محمود؟ ما سمعتش ردك يعني!
فقال محمود وهو يشعر ببعض الحرج: والله يا باشمهندس وليد انا مش عارف أقولك ايه؟طبعا طلبك دة يشرفني لكن للأسف بقا جه متأخر لأن حياة اصلا مخطوبة.
لم يبدو على وليد أنه قد تفاجأ او شعر ببعض الاحباط وهو يقول: انا عارف يا استاذ محمود ان علاء ابن عمها اتقدملها بس اللي اعرفه بردو ان حياة مش موافقة.
محمود وهو ينظر بشك الى حياة التي لم ترفع عينيها عن الارض: وياترى بقا عرفت الكلام دة منين؟
وليد: حياة حكت لمريم ومريم هي اللي قالتلي.
محمود: طب ما تأخذنيش بقا يا باشمهندس, انت فعلا لو كنت عاوز بنتي زي ما بتقول فايه اللي يخليك تستنا لحد دلوقت عشان تتقدملها؟
وليد: دي بقا يا استاذ محمود تبقا غلطة حياة.
التفتت اليه حياة عند ذكر اسمها وقد علت الدهشة وجهها.
أما محمود سأله: ازاي يعني؟
وليد: بصراحة أنا أول ما شفت حياة أُعجبت بيها وكنت عاوز اتقدملها لكن عرفت ان حياة كانت بتخطط انها تخلص دراسة الأول عشان كدة قلت مفيش مانع لو أجلت الموضوع دة سنة كمان, لكن أول ما عرفت انها ممكن تكون لحد تاني غيري قلت مش هينفع اني أءجل أكتر من كدة.
محمود: بس دة ما يمنعش ان حضرتك بردو جيت متأحر, لأني خلاص عطيت كلمة لابن عمها ومش هينفع أرجع فيها, وانت أدرى الناس بعاداتنا وتقاليدنا يا باشمهندس.
وليد: حضرتك في دي معاك حق, بس افتكر ان لا الشرع ولا الدين بيقولوا ان البنت تتجوز غصب عنها. وافتكر ان حضرتك أب كل اللي يهمه مصلحة ولاده وسعادتهم. وسعادة حياة مش هتكون مع ابن عمها.
محمود وقد بدأ يضيق بحديث وليد: وانت ايه عرفك بقا يا باشمهندس ان مصلحة بنتي هتكون معاك؟
فألقى وليد بنظرة ثاقبة على حياة حاولت تجنبها: والله يا استاذ محمود كفاية انك تعرف ان فيه بينا نوع من التفاهم اللي ممكن يخلينا نعيش مع بعض في سعادة, وانت ممكن تسأل حياة وأعتقد انها موافقة على كلامي.
ومن نظراته شعرت حياة بأنه يتحداها ان تنكر كلامه, وبالطبع فهي لم يكن بمقدورها أن تفعل ذلك فتحلت بالصمت.
وهنا وقف وليد فجأة وهو يقول: طب استأذن أنا بقا وفي انتظار ردكم.
وقف محمود ليقوم بدوره كمضيف: ما لسة بدري يا باشمهندس
وليد: معلش بقا شكلي أصلا سهرتكم, وانا اسف للمرة التانية ع الازعاج واني جيت من غير ميعاد.
محمود: ما تقولش كدة يا باشمهندس, دة البيت بيتك, وانت تشرفنا في أي وقت.
وليد: ربنا يعزك, وان شاء الله أسمع أخبار كويسة قريب.
محمود: ربنا يقدم اللي فيه الخير.
وليد: يارب,سلام عليكم.
فردو جميعا: وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته.
وخرج وليد يتبعه محمود, أما مها فانتقلت من مكانها لتجلس بجانب ابنتها التي شعرت بأن رجليها لن تستطيع أن تحملانها, وقالت مها: يعني ما قولتليش يا حياة على موضوع وليد دة؟
فردت حياة شاردة وبلهجة صادقة: أنا نفسي يا ماما ما كنتش متوقعة اللي حصل دة.
كانت حياة بالفعل تقول الحقيقة فلقد كانت تتوقع من وليد رد فعل مختلف تماما عما قام به.
_ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _
:كنك اتجنيت عاد
قالتها هادية بغضب وهي تقف أمام وليد بعيون لاهبة يتطاير منها الشرر في حضور ابنتها وكل من يوسف ومريم ,ورد عليها وليد بحدة: عمتي لو سمحتي دي حياتي وانا حر فيها.
هادية: لا يا ولد أخوي ما انتاش حر لما يبجا الموضوع متعلج بسمعة بت عمتك يبجا مانتاش حر واصل.
وليد: يا عمتي الجواز مش بالغصب وهدى طول عمرها زي اختي وأكيد هتلاقي اللي أحسن مني ويقدر يسعدها.
هادية: ومين دة اللي يرضى انه يتجدملها بعد ما يعرف ان ولد خالها سابها واتجوز غيرها؟ ولا هما البنتة بتوع مصر نسوكم عادتنا وتجاليدنا.
وليد: يا عمتي مفيش داعي للكلام دة , واحنا ما نسيناش حاجة.
هادية: لا يا ولد أخوي. طب وأخوك الكبير لما عملها واتجوز بت حمدي الكامل جولنا ماشي و أهي هتبجا وريثة جدها بردك ويحجله انه يفكر فيها.
كانت مريم تستمع الى الحديث في صمت حتى حين جاءت قصة زواجها من يوسف فضلت أن تحتفظ بها لما بعد ذلك, فها هي الان قد علمت بسبب اقبال يوسف على زواجه منها رغم علمه برفضها الشديد له, أما يوسف فكانت ردة فعله عنيفه حيث هتف بصوت حاد صارم ولكن ليس بالشكل الذي كان يرضي مريم: عمتي! خرجي مريم من الموضوع.
تجاهلت هادية كلام يوسف وأكملت: اما انت بجا ايش عجبك في بت البدري؟لا هي أجمل من بت عمتك ولا أغنى.
وليد: يا عمتي المسألة ملهاش دعوة لا بمال ولا جمال, انا وحياة متفاهمين ومن الآخر انا حتى لو مش هتجوز حياة عمري ما كنت هفكر في اني اتجوز هدى.
شعرت هدى بأنه قد داس بكل عنف على كرامتها فانهمرت الدموع من عينيها وصعدت السلالم في خطوات سريعة تقترب من الجري وهي تجهش بالبكاء, أما هادية فقد كان ردها قويا وهي تقول: كدة بجا يبجا انتو جبتوا من الآخر, ومن اليوم لا انا بجيت عمتكم ولا انتو ولاد أخوي.
ثم صعدت هادية خلف ابنتها بخطى ثابتة, لا تفكر الا في كيفية الثأر لكرامة ابنتها المجروحة.
_ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _
كان يوسف مستلقيا في فراشه يقرأ في أحد الكتب الخاصة بإدارة المال والأعمال حين سمع طرقا خفيفا يأتيه من الباب الذي يفصله عن حجرة مريم,فقال دون أن يرفع عينيه عن الكتاب الذي في يده: ادخل.
ودخلت مريم بخطى مترددة تفرك في يديها ولا تعلم من أين ستبدأ حديثها ,فرفع يوسف عينيه قليلا اليها وعندما لاحظ ترددها, سألها: خير يا مريم؟ فيه حاجة؟
مريم: الحقيقة انا كنت عاوزة اسألك من زمان عن حاجة كدة بس كنت مترددة.
يوسف: حاجة ايه؟
مريم وقد استجمعت كل شجاعتها وهي تقول: يوسف! انت ليه اتجوزتني؟
بدا انه لم يتفاجأ كثير بسؤالها, بل انه أغلق الكتاب ووضعه على المنضدة بجانبه, ثم نهض من السرير واقترب منها بخطوات بطيئة وهو ينظر في عينيها بعمق وكأنه يخترق كيانها ويقول بكل ثبات: عشان فلوسك.
تفاجأت مريم من صراحته الغير متوقعة ولكنها تفاجأت أكثر حين رأته يبتسم ساخرا وهو يستطرد قائلا: مانتي هتبقي وريثة جدك, مش دة بردو اللي قالته عمتي تحت؟!
علمت مريم انه لم يكن يقصد أي كلمة مما قالها بل انه كان قد اتخذ من تهكمه وسيلة مناسبة للرد على اتهامها الغير مباشر, لذا بدأت في الاعتذار: انا اسفة يا يوسف, ما كنتش أقصد, بس انا فعلا الموضوع دة كان محيرني اوي, ولما عمتك اتكلمت فيه واحنا تحت حبيت أعرف الحقيقة منك.
يوسف: حقيقة ايه اللي انتي عاوزة تعرفيها يا مريم؟
فقالت مريم وهي تتمشى في الحجرة على غير هدى فقد كانت تلك احدى عاداتها حين تشعر بالتوتر: كنت عاوزة أعرف انت ليه فعلا اتجوزتني؟ لما كنا في البلد قولتلي انك مش هتطلقني دلوقت عشان خاطر جدو وانك بتحبه لدرجة انك ما تقدرش تتسببله في أي فضيحة, يا ترى جدو عبدالرءوف هو اللي أجبرك انك تتجوزني؟
فرد يوسف بصرامة وثقة عالية بالنفس: اللي عاوزك تفهميه كويس يا مريم ان مفيش حد في الدنيا يقدر يجبرني اني اعمل حاجة انا مش عاوزها.فاهمة؟
أومأت مريم برأسها ثم سألته مغيرة الموضوع: طب انت ايه رأيك في اللي عمله وليد؟ يعني موافق على جوازه من حياة؟
يوسف: وليد شاب عاقل يقدر يقرر بنفسه ايه اللي ينفعه وايه اللي لا, وطالما هو اختار حياة يبقا اكيد واثق ان دي هي الوحيدة اللي هتقدر تسعده.
ثم نظر الى مريم بريبة: بس أنا فيه حاجة مش فاهمها.
مريم: ايه؟
يوسف: وليد امبارح قبل ما يخرج من الفيلا كان في حالة مش طبيعية,كان تقريبا على وشك الانهيار, واول ما رجع فاجأني بانه قرر يتجوز حياة, انتي قولتيله ايه قبل ما يخرج؟
مريم وقد شعرت بالارتباك:هه, ولا حاجة, هو اصلا بيحب حياة من اول ما شافها بس انا قولتله امبارح انها هتتخطب لابن عمها عشان كدة كان متضايق وقرر انه ياخد خطوة سريعة في الموضوع دة لانه كان خايف احسن تضيع من ايده, وبس. تصبح على خير بقا.
واسرعت الخطى نحو غرفتها وكأنها تحتمي بها ضد هجوم يوسف بأسئلة أكثر لا يمكنها الاجابة عنها, اما يوسف فقد وقف مسمرا في مكانه وهو يقول في نفسه ناظرا ناحية الباب الذي أغلقته مريم خلفها: يا ترى يا مريم ممكن ييجي اليوم اللي هتثقي فيا وتقوليلي كل اللي جواكي من غير خوف؟!
_ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _
وعبر الهاتف كانت حياة تتحدث بكل ما تمتلك من هدوء ورزانة: ايوة يا باشمهندس عارفاها…….. خلاص ان شاء الله هقابلك هناك بعد نص ساعة…….مع السلامة.
ثم انهت المكالمة فسألتها مريم التي كانت تجلس بجوارها على أحد المقاعد في الكلية: انتي لسة مصرة بردو ع اللي في دماغك دة يا حياة.
حياة: لازم يا مريم, انا من ساعة اللي حصل مش عارفة انام, بس ربنا يقدرني بقا و أقدر أواجه.
_ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _
و في احدى الحدائق العامة تقابل كل من حياة و وليد وبعد التحية,بدأت حياة الحديث: أولا يا باشمهندس انا اسفة لو كانت مكالمتي اتسببتلك في اي ازعاج بس كان لازم نتقابل بعد اللي حصل…..
وقاطعها وليد بحزم وهو يسألها بعيون جامدة خالية من أي تعبير: ياريت من غير مقدمات ندخل في الموضوع على طول.
شعرت حياة ببعض الاحباط لهجومه الغير متوقع, ولكنها لم تفقد سيطرتها بعد وأكملت بنفس القوة التي بدأت بها كلامها: أكيد حضرتك عارف انا ليه كنت عاوزة أقابلك.
تصنع وليد الدهشة نتيجة لسؤالها: لا. مش عارف.
قررت حياة ان تجاريه في لعبته: انت ليه عاوز تتجوزني؟
ابتسم وليد وهو يقول بتهكم: سؤال غريب بصراحة ما كنتش متوقعه؟ هو ليه الواحد بيفكر في الجواز؟
حياة: انت فاهم قصدي كويس يا باشمهندس, انا اقصد انت ليه عاوز تتجوزني وخصوصا بعد اللي عرفته من مريم؟
فأجاب وليد بنظرات وقحة ضايقت حياة: لأني عاوزك . وأفتكر ان الطريقة الوحيدة اللي ممكن تقربني منك هي الجواز. ولا فيه طريقة تانية؟
شعرت حياة بالدماء تغلي في عروقها واستجمعت كل قوتها لتصفعه على خده ولكن ردة فعله كانت أسرع منها فأمسك بمعصمها, فقررت حياة أن تجرحه بكلماتها الغاضبة: انت انسان سافل ووقح, وانا اللي غلطانة اني فكرت أجي واتكلم معاك.
أفلت وليد يدها بقوة وهو يقول لها بحدة: والله اللي مفروض يتقال عنه انه سافل ووقح هو حد غيري يا حياة, أما انا فلازم تشكريني اني في الاول وفي الاخر فكرت في الحلال.
حياة بتحدي: بس انا بقا مش عاوزاك.
ابتسم وليد بكل ثقة وهو يقول: ما هو يانا يا بن عمك يا حياة, اختاري, ولو ان الموضوع مش محتاج تفكير كتير.
فقالت حياة بشجاعة لم تكن هي نفسها تتوقع انها تتحلى بمثلها: اوعى تكون فاكر ان اللي حصلي دة ممكن يكسرني قدامك واني ممكن أوافق عليك غصب عني , لا فوق يا باشمهندس , انت عمرك ما هتقدر تزلني.انا هروح حالا أقول لبابا اني مش موافقة عليك ويحصل اللي يحصل بقا.
فنظر وليد اليها وهو يقول لها محذرا: لمصلحتك ومصلحة عيلتك كلها يا حياة انك توافقي, الا بقا اذا كنتي فعلا عاوزة تجيبي العار لأهلك وتكسري ابوكي قدام كل الناس.
حياة: انت بتمسكني من ايدي اللي بتوجعني؟ انت فعلا انسان واطي.
وليد بعيون غاضبة: احفظي لسانك يا حياة, وانا بقا هستنا لما تبقي مراتي عشان أعرف أرد عليكي كويس, سلام.
ثم أكمل طريقه مبتعدا عنها تاركا اياها وحدها تندب حظها بصمت.

———–———-———————-————

ونكمل في الحلقات القادمة ماتنسوش تعلقوا علي الحلقة في صفحة مدام طاسة والست حلة

 الى اللقاء في الحلقات القادمة

بقلم الكاتبة: رحاب حلمي