ترفيهقصص قصيرة

سلسلة حلقات الرعب الممتنع بقلم نشوة أحمد الحلقة 2

 

سلسلة #الرعب_الممتنع:


الحلقة الثانية:
#سَمُّوه_أنتم:
ليلٌ بهيم، غليونٌ مملوءٌ بأفخر أنواع التبغ، أنفث دخانه، فيتطاير معبِّقًا هواء الغرفة، ولا أكاد أراه؛ لشدة ظلمتها، وفنجان من القهوة، متأملا في اللاشيء، شاردا بذهني في كل شيءٍ، فما أعذب الهدوء، وما أقصر لحظاته التي يضِنُّ بها عليَّ ذاك الطفل الذي يستعذب صراخه، فيعذِّبُني بقطع لحظات هدوئي وخلوتي التي أقتنصها من يومي المتخم اقتناصا، أَوَليس لك أهلٌ أيها الصغير؟ أَوَكَلَّتْ أمك من هدهدتك؟ لابد وأن أتحدث مع هؤلاء الجيران الجدد في شأن صغيرهم، والآن، عليَّ أن أخلُد جبْريا للنوم؛ فمن الواضح أن محاضرةً في الغد بانتظاري، والتي سيكون موضوعها: كيفية ممارسة حريتك، دون المساس بحرية الآخرين، وبينما أُسْلم خدي إلى وسادتي، تلثمه بشوق، وتستسلم جفوني لِطَيْف غفوةٍ تداعبها، هجمت بسخافتها على عقلي فكرةٌ توقظه إلى غير رجعة للنوم مجددا:

/> – ليس لي جيران في المبنى الذي أقطنه؛ هو عقار قديم، هجره ساكنوه منذ زمن بعيد، ولم يبقَ سواي بعدما مات أبواي، فمَن ذلك الصبي؟ ومن أين يأتي صوته إذن؟ أضأت كل مصدر للضوء من شأنه أن يضيء، حتى شموع كعكة ذكرى يوم ميلادي أشعلتها، وأوصدت الأبواب والنوافذ، وكل ثقب من شأنه أن يمرر شيئا حتى وإن كان نسمة هواء ضلَّت طريقها إلى مخبأي، وقبعت فوق مقعد بأحد أركان الحجرة، مقرفصا، محتضنا صدري بقدمي، وقدمي بذراعي، مُتَلَفِّتًا حولي، ملقيًا السمع والبصر، محدِّقًا في الفراغ، متأهبا للامتوقع، منتصتا لصوت الطفل، راجيا إياه أن يصمت.
ظللت على حالتي تلك، حتى رقَّ الصبح لحالي ولاح، وتسللت أشعة الشمس؛ تطمئنني بنورها الوضاح. نهضت على مهلٍ، وترددٍ، وارتديت ملابسي، وتمهلت حتى وصلت إلى باب الشقة، ثم لُذتُ بالفرار. وبينما أنا تارك العنان لقدمي؛ لتنطلقا؛ هابطةً بي الدَرَج، صُدِمتُ بعجوزٍ يتوكأ بأحد ذراعيه على مِنْسأةٍ، بينما تتأبَّط عجوزٌ، منحنية الظهر ذراعه الآخر.


ابتسم ابتسامةً عذبةً، راقت لي، وهدَّأت من روْعي، فقابلتها بمثيلةٍ لها، وسألته عما يريدان؟ ودهشت وسررت، واغرورقت عيناي من الفرح؛ لجوابه الذي سمعت؛ حيث أخبرني الرجل بأنهما جيراني في الطابق السفلي.
لكنني وكعادتي لا تستمر فرحتي؛ فقد صدمني بإجابته سؤالي التالي فيما يتعلق بولديهما الذي يصرخ طوال الليل دونما انقطاع؛ فقد أجابني بأنهما لا يملكان حفيدا، بيْدَ أن الله لم يمُنَّ عليهما بنعمة الأبناء من الأساس.
تركتهما مهموما، غارقا في أفكاري، ومحاولاتي تفسير ما يحدث، طاردا عن عقلي ما من شأنه يبث الرعب في نفسي.
انتهى يوم العمل، وحانت اللحظة التي لطالما تمنيت ألا تأتي، فعليّ الآن العودة، وإلا، فإلى أين أذهب؟ حاولت بائسا يائسا اقناع نفسي بالعودة، معاهدا إياها أنه لن يتكرر ما يريبها الليلة، ولكن، أنَّى لي بمن يقنعني أنا؟ حتى قدماي غير قانعة؛ ولا تطاوعاني على المضي قدما في اتجاه البيت، ولكن، مهما طال الوقت، فعلى المكتوب أن يقع؛ وها أنا ذا قد وصلت شاردا، أرفع قدمي بيدي؛ مُجْبِرا إياها على صعود الدرج، لمحت طيف فتاةٍ تحمل طفلا تمر من جانبي، وتلقي السلام، رددت تحيتها، واستأنفت المسير، ثم انتبهت فجأةً، واستدرت بجسدي كُلِّيًّة، ولوَّحتُ بيدي، كغريقٍ وجد قشَّته، وصرخت بأعلى صوتي:
– أَيَا هذه، هلا أخبرتني، مَنْ تكونين؟ وهل بات هذا الرضيع في المبنى طيلة الأيام المنصرمة؟
أجابتني برقةٍ، لم أستعذب صوتها بقدر ما استعذبت جمال كلماتها حينما قالت:
– نعم.
ولكن سرعان ما انقشع الارتياح الذي ما لبث أن طلَّ برأسه من بين أستار قلبي، حتى زال بفضل تَتِمَّة جملتها:
– نحن مَنْ استأجر الشقة في الطابق السفلي.
– ما هذا، أَلَمْ يدَّعي العجوز أنهما وحيدان؟
سألتها، ولا أدري، أَفِي سؤالي راحتي أم شقائي؟
– كيف؟ فقد قال العجوز أنهما لم يحظيا بنعمة الأحفاد، كما أنهما لم ينجبا من الأساس!
أجابت كالمعتادة على هذا السؤال:
– نعم، هو كذلك، ولكنهما اعتادا على احتضان يتيمٍ من آنٍ إلى آخر؛ يؤنس وحدتهما، ويكفلانه، وأنا خادمتهما، أعمل لديهما منذ سنوات.
– يا الله، لو تدرين أيتها الفتاة، كم أرحتني، وأزحتِ أحمالا كانت جاثيةً فوق صدري!
تركتها، وساقاي تسابقا الريح، تَلْتَهما درجات السلم التهاما، من شأنه أن يوصلني لباب شقتي في بضع ثوانٍ.
هنأتُ ببقية يومي وليلتي، بل والعجيب أنني استعذبت سيمفونية الصغير التي عزفها بصراخه طيلة الليل، واستغرقت في النوم؛ معوضًا ما فاتني منه.
وفي الصباح، وكانت إجازتي الأسبوعية، خرجت؛ لأبتاع بعض الأغراض، وبينما أهبط الدرج، إذا به العجوز يحييني على باب شقته، قاصدا النزول، ومن خلفه زوجته تودعه لدى الباب، وبينما نتبادل التحية، إذا بالفتاة تصعد السلم، عائدةً من الخارج، وفي يدها بعض الأكياس.
ألقت التحية، فأجبتها، ولم يجبها، فأثار فضولي تجاهله لها، وللطفل الذي تحمله، ولما مرَّت من بيننا، تعثَّرت، وسقطت منها أغراضها وتبعثرت، فانحنيتُ؛ ألملم أشياءها؛ حتى لا يسقط الطفل من بين يديها، وكان آخر ما طالته يدي علبة دواءٍ، أمسكتها، ونهضت؛ لأعطيها إياها، لكنني انشغلت بِرَدَّة فعل العجوز، الذي ظل جامدا على حالته، ولم يحرك ساكنا، وكأنه لم يعرفها.
توجَّسْتُ خيفةً، ودعاني فضولي إلى مباغتته بالسؤال عن أحوال الصغير، وكيف أن ثوابه عند الله سيكون عظيما؛ أجر ما يعمل، ففاجأني باستنكاره لما يسمع.
تسلل الريب والجزع إلى نفسي، واعترتني الدهشة، وفَغَرْتُ فاهي؛ لما رأيت الرجل يودعني، مُلَوِّحا بيده، مغادرًا المكان، قائلا:
– لدي موعدٌ مع عروسٍ الآن؛ فلن أقضي حياتي راهبا بعد وفاة زوجتي.
وازداد فاهي فغورا، وحدقتاي اتساعا، لما سمعت زوجته تقول بدلال مراهقةٍ، موجهةً حديثها إليه:
– يا لجرأة شباب هذا الزمان، أَلَمْ تستحِ يا هذا، وتكُفَّ عن معاكسة الفتيات الصغيرات أمثالي؟
نظرت إلى الخادمة الصامتة الواقفة إلى جواري، بعيونٍ ملؤها التساؤل، فوجدتها تشير إلى ما أمسك بيدي، فانتبهت، وقلَّبْتُ علبة الدواء بين يدي، كالمتحرِّق شوقا لفكِّ طلاسم شيفرةٍ عصيّةٍ، وسرعان ما تبدَّدت أسئلتي؛ لما قراتُ ما خُطَّ عليها: (خاصٌّ بمرضى الألزهايمر)
#نشوة_أحمد_علي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى