الحاجة فاطمة..فصة قصيرة..بقلم الكاتبة نشوة أحمد

الحاجة فاطمة


في إحدى حواري القاهرة القديمة، التي تتفرع منها بعض الأزقة، فإذا دخلت هذا الزقاق، ستجد بعض البيوت الصغيرة المتهالكة، التي يستند بعضها على بعض، وكأنها عجائز تشد من أزر بعضها؛ لتقوى على الوقوف، وفي بيتٍ قديمٍ صغيرٍ من هذه البيوت، الذي هو في حقيقة الأمر أقرب إلى العشة، تسكن بطلة قصتنا “الحاجة فاطمة”
وما إن تدلف إلى داخل عشتها تلك حتى تصطدم ببرودتها، وتتسرب إلى أنفك رائحة العفن الناتج عن عدم دخول الشمس ولا الهواء؛ فلا يوجد منفذا لينفذا من خلاله، وحتى إن وجدت تلك النافذة، فمن أين لها بشمسٍ، وهل تصل الشمس إلى هذه الأزقة؟ فهذه المناطق شبه مدفونة، ولا يعرف عنها رغداء العيش شيئا، ولا يسمعون عن هذه العشوائيات إلا في الروايات…
الحاجة فاطمة على ما يبدو مما تبقى لديها من ملامح أنها كانت جميلة في صباها، فهي الآن في العقد الثامن من عمرها تقريبا، منحنية الظهر، هزيلة الجسد، غادرها شعرها الأسود وتبدل بجديلتين بيضاوين، ترتدي جلبابا على ما يبدو أنه أصبح جزءاً من جسدها؛ فهي لا تملك غيره، تعلو قسمات وجهها التجاعيد التي تزيد إذا ما ضحكت، ويالجمال ضحكتها، وبراءة وجهها ووداعتها…..
تعيش وحيدةً في عشتها، راضيةً بما كان نصيبها من القَدَر، تفرح إذا دق أحدهم بابها الذي نادرا ما تتذكر أن عشتها خُلِقَتْ بباب؛ فلا هي تخرج ولا أحد يدخل، إلا من يتذكرها من جيرانها بين الحين والآخر برغيف و بعض الغموس؛ فحالهم ليس أفضل من حالها…
ولكن الله لا ينسى عباده، فهو سبحانه وتعالى من يرزق النملة في باطن الجبل، ولكن الغريب أن تعيش تلك العجوز بهذه الظروف القاسية غير ناقمةٍ على حالها، غير حاسدةٍ ولا حاقدةٍ على غيرها…
وذات يوم، فوجئت بدقاتٍ على بابها المهجور، فتنصتت قليلاً، فقد بخل عليها العمر باستبقاء سمعها، فلاحظت أن من يدق بابها أكثر من شخص،
فاقتربت من الباب على مهلٍ، رغما عنها متأوهةً، لو سمعتها، لشعرت أن كل خليةٍ في جسمها تصدر من الألم آهةً خاصةً بها؛ وقد أصبحت تأوهاتها صاحباتها، تؤنس وحدتها، ولولاها لنسيت صوتها…
فتحت الباب، متحسسةً، تساعد يداها الباقي من بصرها على الرؤية، فوجدت أشخاصاً غرباء؛ يظهر هذا جلياً من أناقتهم ووقفتهم وأبهتهم ،وأيضا هي تعرف جميع أهل منطقتها التي تحبهم ويحبونها…

Vertical ad

ولكن لا، ليسوا كلهم غرباء، فها هي دعاء ابنة جارتها فتحية، لم تترك لها دعاء فرصة التخمين في ماهية هؤلاء، فبادرتها بالتحية: صباح الخير يا خالة فاطمة…
فاطمة: صباح الخير يا ابنتي.
فأسرعت دعاء بالكشف عن هويتهم، وقدمتهم لها:
هذا يا خالة الأستاذ حازم مذيع في التليفزيون، أتى كي يتحدث معك قليلاً، إن لم يكن لديك مانع، وهؤلاء ومساعدوه…
فجاهدت الحاجة فاطمة نظرها؛ لتحاول رسم ملامحه، فمن أين لها أن تعرف ذلك المذيع؟ وهي التي لم ترَ التلفاز في حياتها سوى مراتٍ معدودةٍ عند جيرانها منذ زمن بعيد، أيام كانت تقوى على الحركة، وتخرج من عشتها، وأيضاً لم يدخل بيتها هذا الجهاز ولا غيره أبدا…
فقالت مرحبةً: تفضلوا… أهلاً ومرحباً…
فقال المذيع: كيف حالك أيتها الأم الطيبة، كانت جارتك دعاء قد بعثت لنا خطاباً؛ شرحت لنا فيه ظروفك، فجئنا لنرى ما تحتاجين؛ لنحققه لك…
فقالت: الحمد لله يا بني، فمن خلقني، ما تركني، وأنا بفضله مستورة…
فتعجب منها المذيع، وسألها عن دخلها، ومن أين تنفق؟
فقالت: من معاش زوجي رحمه الله.
فقال: وكم هذا المعاش؟
قالت: ستون جنيهاً
فازداد عجبا وقال: وهل هذا المبلغ يفي باحتياجاتك؟
قالت: بل يكفي ويفيض…
وطال الحوار بينهما، وهي تزداد إصراراً على عدم مد يدها لأحدٍ، ويظهر رضاها وقناعتها في كل كلمةٍ تتفوه بها، وهو ما زاد المذيع عجباً، وفي كل مرةٍ ينظر إليها يجدها تزداد نوراً وبهاءاً وعزةً وبراءةً، فمَنْ في مثل ظروفها ولا يشتكي؟ مَنْ مثلها ويظهر أمامه المصباح السحري ولا يطلب منه شيئا؟!!!
وسألها عن صحتها، فأجابت بمنتهى القوة والثبات: إن الله يرسل إليَّ بعض المرض، ثم يصرفه عني بفضله وكرمه…
فحاول الأستاذ حازم، وكعادتهم في تلك البرامج مساعدة الحاجة فاطمة، وذلك بأن وضع بين يديها ظرفاً، تلقته منه مسائلةً عن ماهيته، فأجابها: إنه بعض المال، تقبليهم على سبيل الهدية؛ فأنا كابنكِ…
فتغير وجهها، وتبدلت ابتسامتها، وقالت: لا يا بني، ليس لي به حاجة، فما يرزقني به الله يكفيني وزيادة، وأكثر من هذا طمعٌ…
فما كان منه إلا أن طلب منها هو الدعاء، فقد شعر وقتها أنها هي الغنية بإيمانها، القوية برضاها ، القريبة من الله بحمدها وشكرها، بينما هو من جاء لمساعدتها، أصبح هو الفقير الذي يطلب منها أن تدعو له…
فدعت له ولجميع الشباب، فسلم عليها وتركها، وهو عازمٌ على مساعدتها وإسعادها بأي شكلٍ…
لكنه وفي خلسةٍ منها، وأثناء خروجه من بيتها، دس ظرف النقود في سريرها؛ علها تراه، وتستفيد به، دون حرجٍ منه…
وبعد بضعة أيام… جاء هذا المذيع؛ ليزور تلك الطيبة؛ وليزف إليها بشارته التي كان قد أخفاها عنها لحين إنجازها، جاء إليها ماسكاً في يده عقد شقةٍ جديدةٍ باسمها ، وصل إلى باب عشتها، وطرقه، وانتظر قليلاً؛ ريثما تفتحه الحاجة فاطمة كعادتها على مهلٍ…
وبعد فترةٍ، فُتِح الباب، وظهرت الحاجة فاطمة بِطَلَّتِها البريئة، وتساءلت: مَنْ؟
وهي تحاول تركيز بصرها على الطارق، فأجابها حازم: أنا يا أمي، قد جئت إليكِ حاملاً أجمل هدية، وألقى بين يديها عقد الشقة: هذا يا أمي ما كنتِ تحلمين به، شقة جديدة، تزورها الشمس، ويسكنها الهواء النقي…
فأمسكتْ بالعقد غير مصدقةٍ، ووسعت ابتسامتها، التي كشفت عن ثغرٍ هجره معظم ساكنيه من أسنانٍ…
وظهرت الفرحة جلية عليها، وتسارعت دقات قلبها التي كانت تعزف أجمل سيمفونيةٍ للفرحة، وما كان منها إلا أنها تلقفته بين ذراعيها مقبلةً إياه…
وفي أوج هذه الفرحة، انتبه حازم على صوتٍ دخيلٍ: أستاذ حازم، أنا فتحية، جارة الحاجة فاطمة – رحمها الله –
ماذا قالتْ؟ أعيدي من فضلك، أماتت الحاجة فاطمة؟ متى؟
طرقت فتحية برأسها، وهزت رأسها أن نعم، واسترسلت: أول أمسٍ، وتركت لك أمانة، هي كل وصيتها، ورفعت يدها بظرفٍ، عرفه على الفور…
مسح حازم دمعةً خدعته، وتسللت خارج عينه، وأمسك بالظرفين في يده، عائداً من حيث أتى، فقد أَبَتْ تلك الأم الطيبة على نفسها أنْ تمد يدها لأحدٍ غير ربها، فأبى الله عليها أنْ تُذلَّ لغيره، وحقق لها ما عاشت حياتها لتحقيقه، وأخذها بريئةً من أي عَوَذٍ لغيره، فقد أخلصت لربها النية، وحقق لها ربها الأمنية، فقد عاشت عزيزة النفس وماتت أبية…
رحمة الله عليكِ أيتها العزيزة البريئة الغالية، فقد أعطتْ درساً عظيماً للبشرية…

=====================================

بقلم الكاتبة الرائعة: نشوة أحمد علي

مقالات ذات صله